هناك تفاصيل صغيرة في كل حكاية جديرة بأن تُروى، حبتا زيتون في صحنأسير، ثماني حبات بدل ست، رقم صغير، يكاد لا يُرى، لكنه في مكان مثلسجن كتسيعوت المقام على أراضي النقب يصبح أكبر من مجرد فرق بينوجبتين. يقول بن غفير، بحسب ما رواه بنفسه، إنّ سجانا أرسل إليه صورة لوجبة أسيرفي السجن، ووجد أنّ في الصحن ثماني حبات زيتون بدلا من ست، لم يكتفبالاطلاع على الصورة، بل غادر بيته، وقطع قرابة ثلاث ساعات حتى وصل إلىالسجن بسبب حبتين إضافيتين. ربما لا تكمن المفارقة في أنّ وزيرا في حكومة الاحتلال أشغله عدد حباتالزيتون، بل في أنّ سلطة احتلال كاملة وجدت في حبتين إضافيتين ما يستحقكل هذا الغضب. هنا يصبح السؤال أعمق من الزيتون: ماذا يحدث حين تتحول سلطة عسكريةمن مراقبة حدود السجن إلى مراقبة حدود اللقمة؟ السجن في معناه التقليدي، هو أن تُغلق الأبواب على جسد الإنسان، لكنّ السجن الذي نراه اليوم يريد أن يتسلل إلى التفاصيل التي يفترض أن تبقىللإنسان وحده: إلى نومه، وطعامه، وعطشه، ووقت استيقاظه، ومساحة جسده، وربما إلى عدد حبات الزيتون التي تقع أمامه. فالأسير لا يُعاقب هنا لأنه أكل، بل لأنّ ثمة من يريد أن يحدد له كم يأكل، وهذهليست مسألة غذاء فقط، وإنما صورة مكثفة لعلاقة القوة العسكرية بالإنسان: حين تصبح اللقمة نفسها امتيازا تمنحه سلطة الاحتلال أو تمنعه، يتحولالطعام من حاجة بشرية إلى أداة سيطرة. في السجون قد تُغلق الأبواب، وتُسحب الحرية، وتُراقب الحركة، لكن أكثر مايكشف طبيعة القمع هو ما يحدث حين يصل إلى الأشياء التي تبدو بسيطة، لأنّ من يعد حبات الزيتون، لا يراقب الطعام وحده؛ إنه يقول للأسير، في أبسطصورة وأكثرها قسوة: حتى هذه المساحة الصغيرة من حياتك ليست لك. وهنا تصبح حبتا الزيتون أكثر من حبتين، إنهما سؤال عن الكرامة. عن ذلكالجزء الصغير من الحياة الذي يحاول الأسير الاحتفاظ به حين يُسلب منه كلشيء. فالأسير مهما ضاقت جدران زنزانته، يظل إنسانا يحتاج إلى أن يأكل لا ليعيشفقط، بل ليحتفظ بإحساسه بأنه ما زال يملك شيئا من نفسه، ولهذا فإنّ تحويلالطعام إلى وسيلة إذلال ليس مجرد تشديد في ظروف الاحتجاز؛ إنّه محاولةللوصول إلى الإنسان من أكثر نقاطه هشاشة: حاجته الأساسية إلى الحياة. ولعل أكثر ما يوجع في المشهد أنّ الزيتون نفسه ليس طعاما عابرا في الذاكرةالفلسطينية، إنه شجرة البلاد المتصلة بالجذور، ذاكرة الحقول التي صمدت كماأصحابها، وثمار الأشجار التي بقيت في مكانها حين اقتُلع كثير من البشر منأماكنهم. حين يصبح الزيتون داخل السجن جزءا من العقوبة، تبدو الصورة كأنهاتختصر حكاية أوسع: فلسطين التي يُضيّق عليها في أرضها، وفي طرقها، وفيبيوتها، وحتى في لقمتها. ولذلك فإنّ حبتين إضافيتين لا تبدوان تفصيلا هامشيا، إنهما تكشفان إلى أيمدى يمكن أن تمتد يد القوة حين تفقد قدرتها على رؤية الإنسان إلا بوصفه رقمافي منظومة العقاب. في هذه الحكاية، لا نحتاج إلى كثير من الكلمات عن الغطرسة، تكفي حبتازيتون. فأحيانا، لا تكشف الأنظمة ما تفعله بالإنسان حين تنهال ل جسده، بلحين تعد ما يأكله.  وحين يصل القمع إلى الصحن، يصبح الطعام نفسه وثيقة، إنها وثيقة لا تكتبهامحاضر السجون، ولا تسجلها الجدران، لكنها تبقى في الذاكرة الفلسطينيةكدليل آخر على أن الاحتلال لا يحاول فقط أن يحاصر الإنسان في المكان، بلأن يضيق عليه حتى في المساحة الأخيرة التي يفترض أن تكون له: جسده، ولقمته، وحقه البسيط في أن يأكل دون أن يكون عدد حبات الزيتون جريمة. وربما لهذا تبدو حبتا الزيتون، في نهاية الأمر، أكبر من السجن نفسه، لأنّ الإنسان الذي يُسلب منه كل شيء قد يجد في حبة زيتون معنى للأرض، وفياللقمة معنى للحياة، وفي الاحتفاظ بحبتي زيتون زائدتين فعلا صغيرا منأفعال استعادة الذات.…