تواجه المالية العامة الفلسطينية واحدة من أخطر الأزمات في تاريخها، في ظلاستمرار إسرائيل باحتجاز عائدات الضرائب الفلسطينية “المقاصة” التيتشكل المصدر الرئيس للإيرادات الحكومية. ومع تجاوز قيمة الأموال المحتجزةحاجز 15 مليار شيكل، دخلت الخزينة الفلسطينية مرحلة غير مسبوقة منالضغوط المالية، انعكست على قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية، وأثرت بصورة مباشرة على الخدمات العامة والنشاط الاقتصادي والأوضاعالمعيشية للمواطنين. ومع تصاعد الأزمة ووصولها إلى مرحلة الاحتجاز الكامل لأموال “المقاصة” خلال الأشهر الأخيرة، اتسعت التداعيات لتشمل مختلف القطاعات الاقتصاديةوالخدمية، وسط تحذيرات من تفاقم معدلات الفقر والبطالة وتراجع قدرةالاقتصاد الفلسطيني على الصمود في مواجهة التحديات المتراكمة. المقاصة.. شريان الإيرادات الحكومية في قلب الأزمة يؤكد الخبير في السياسات المالية والاقتصادية مؤيد عفانة أنّ احتجازأموال “المقاصة” بشكل متواصل منذ عام 2019، وتصاعده إلى الاحتجازالكامل منذ أيار/مايو 2025، أدخل المالية العامة الفلسطينية في أزمة حادةأثرت على مختلف أوجه الإنفاق الحكومي. ويشير عفانة إلى أنّ الأزمة دفعت الحكومة إلى إطلاق برنامج طوارئ شملتقليص الدوام في الوزارات والمؤسسات العامة، وخفض نسبة صرف رواتبالموظفين إلى نحو 50% من الراتب بحد أدنى 2000 شيكل، إلى جانب تراكممستحقات القطاع الخاص. من جانبه، يوضح أستاذ الاقتصاد والخبير في الشأن الاقتصادي د. هيثم دراغمة أنّ أموال “المقاصة” تمثل أكثر من 65% من الإيراداتالحكومية، وتشكل المصدر الرئيس لتمويل التزامات السلطة الفلسطينية. ويضيف أنّ استمرار احتجاز هذه الأموال أدى إلى تضخم المديونية الحكوميةوتعميق الأزمة المالية، لافتاً إلى أنّ قيمة “المقاصة” المحتجزة تجاوزت 15 مليارشيكل، وهو ما حرم الخزينة من موردها المالي الأهم وأضعف قدرتها على الوفاءبالتزاماتها تجاه الموظفين والقطاع الخاص ومقدمي الخدمات. ويؤكد د. دراغمة أنّ الحكومة الفلسطينية كانت تعاني أساساً من ضغوط ماليةناجمة عن تراجع المساعدات الخارجية والعربية، إلا أنّ احتجاز “المقاصة” عمّقالأزمة بصورة غير مسبوقة، وأفقد الحكومة القدرة على الإيفاء بالعديد منالتزاماتها التشغيلية والخدمية. تداعيات مباشرة على قطاعي الصحة والتعليم انعكست الأزمة المالية بصورة واضحة على الخدمات الأساسية، ولا سيما فيقطاعي الصحة والتعليم. فبحسب عفانة، أدى شح الموارد المالية إلى نقص الأدوية في المرافق الصحيةالحكومية، واقتصار عمل بعض العيادات الحكومية على يوم واحد أسبوعياً، الأمر الذي أثر على قدرة المواطنين في الوصول إلى الخدمات الصحية. أما في قطاع التعليم، فقد تراجع انتظام العملية التعليمية، حيث اقتصر الدوامالمدرسي في العديد من المدارس الحكومية على ثلاثة أيام أسبوعياً، أي مايعادل نحو 60% من الدوام المعتاد، الأمر الذي وسّع فجوة الفاقد التعليميالتراكمي وألقى بظلاله على جودة التعليم ومستقبل الطلبة. ويرى د. دراغمة أنّ تداعيات الأزمة لم تقتصر على المؤسسات الحكوميةفحسب، بل امتدت إلى القطاعات الاقتصادية المرتبطة بها نتيجة تراجع الإنفاقالعام وعجز الحكومة عن تسديد مستحقات الموردين ومقدمي الخدمات. ركود اقتصادي وانكماش غير مسبوق أثرت أزمة المقاصة بشكل مباشر على النشاط الاقتصادي الفلسطيني، الذيشهد تراجعاً حاداً خلال الفترة الأخيرة. ويؤكد عفانة أنّ الاقتصاد الفلسطيني تراجع بنحو 24%، بالتوازي مع ارتفاعمعدلات البطالة إلى نحو 46%، وارتفاع معدلات الفقر إلى قرابة 41%.…