في فلسطين، لا يُختزل الإضراب في الامتناع عن العمل، بل يتجاوزه إلىامتناعٍ عن الانكسار؛ لحظةٌ يقرّر فيها الإنسان أن يستردّ نفسه من عالمٍ يحاولتعريفه خارج إنسانيته. وحين يُضرب شعبٌ عن تفاصيل يومه، عن خبزه وصوته وضجيج حياته، فإنه لايمارس فعلاً احتجاجياً عابراً، بل يكتب نفسه من جديد في مواجهةالمحو. هو انقطاعٌ واعٍ عن العادي، عن ذلك التدفق اليومي، لكنّه يخفي في عمقه تكيّفاً قاسياً مع القهر؛ امتناعٌ عن القبول بأن يصبح الموت حكماً إدارياً، وأن تتحولالحياة إلى بندٍ في لائحة عقوبات.  حين يُضرب الشعب، لا يتوقف عن الحياة، بل يتوقف عن الشكلالذي فُرض عليه أن يعيشها به؛ كأنّه يقول: لن أكون النسخة التيتريدونها لي، حتى لو كلّفني ذلك أن أعلّق حضوري مؤقتاً في هذاالعالم. في هذا المعنى، الإضراب ليس فعلاً سياسياً فقط، بل تجربة وجودية كثيفة؛ مواجهة بين الإنسان وحدود احتماله، بين الكرامة والخوف، بين الحاجة إلىالخبز والحاجة إلى المعنى. هو لحظة يُعاد فيها طرح السؤال الأكثر بداهة والأكثر خطورة: ماذا يعني أننكون بشراً في عالمٍ يُعاد فيه تعريف الإنسان ككائن قابل للمحو؟ وحين يُطرحهذا السؤال جماعياً، يتحول الإضراب إلى مرآة كبرى يرى فيها الشعب نفسه—لا كما هو مضطر أن يكون، بل كما يجب أن يكون. حين يُضرب الفلسطيني تضامناً مع الأسرى ورفضاً لقانون الإعدام، فإنّه لا يحتج فقط على احتمال الموت، بل على فكرة أن يصبح الموتإجراءً، وأن تتحول الحياة إلى بندٍ قانوني. هنا، لا يكون الإضرابصمتاً، بل لغة؛ ولا يكون فراغاً، بل امتلاءً كثيفاً بالمعنى. إنّه استعادةٌ لما سُرق من الكلمات: أن تعود العدالة عدالة، وأن يعود الإنسانإنساناً، لا ملفاً، ولا رقماً، ولا جسداً قابلاً للإلغاء. في السجون، حيث يُعاد تشكيل الزمن على هيئة انتظار، تتكثف هذه الحقيقةأكثر.  هناك، في زنزانةٍ ضيقة، يجلس أسيرٌ على حافة سريره المعدني، يعدّ ليس الأيام فقط، بل احتمالاتها. ضوءٌ خافت يتسلل من نافذةٍ عالية، كأنّه تذكيرٌ بعيد بأن العالم ما زال موجوداً، لكنّه مؤجَّل. خطواتالسجّان في الممر ليست مجرد صوت، بل إيقاعٌ ثقيل يُنظّم القلق. بابٌ يُفتح فجأة، نداءٌ باسمٍ ما، لحظة صمتٍ تتسع حتى تكاد تبتلعالمكان. في تلك اللحظة، لا يكون السؤال: من سيُنتزع؟ بل: ماذا يعنيأن يُنتزع الإنسان من حياته بهذه البساطة؟ في ساحة الفورة، حين يلتقي الأسرى لدقائق، تتكسر الجدران قليلاً. نظراتٌ سريعة، ابتساماتٌ مقتضبة، كلماتٌ تُقال على عجل كأنّها تُهرَّب من زمنٍ آخر. هناك، يُصنع المعنى من فتات اللحظات: سيجارةٌ تُقسم بين اثنين، كتابٌ يتنقلكأنّه حياة إضافية، حكايةٌ تُروى لتؤجل انهيار الصمت. وفي اللّيل، حين يثقلالسكون، يصبح التفكير نفسه نوعاً من المقاومة؛ أن تتذكر، أن تتخيل، أنترفض أن تكون مجرد حاضرٍ مُغلق. قانون إعدام الأسرى، في هذا السياق، لا يضيف موتاً جديداً بقدر مايحاول أن يمنح الموت شرعيةً نهائية. إنّه لا يستهدف الجسد فقط، بل يستهدف المعنى: أن يُقنع الجميع بأن هذه النهاية طبيعية، بلضرورية. وهنا، يتحول الإضراب إلى فعلٍ مضاد للعدم؛ إلى تمردٍ على فكرة أنّ الحياة يمكن أن تُدار كملف، وأنّ النهاية يمكن أن تُكتبسلفاً. لكنّ فلسطين لا تقف عند الحاضر وحده؛ فهي تحمل ذاكرتها كدليلٍ أخلاقي لايسقط بالتقادم. وهنا، تتقاطع اللحظة الراهنة مع تاريخٍ لم ينقطع. حين أُعدمفؤاد حجازي وعطا الزير ومحمد جمجوم، لم تكن حبال المشانقمجرد أدوات قتل، بل كانت محاولة لردع ذاكرة شعب كامل. لكن ماحدث كان العكس تماماً: تحوّل الموت إلى نشيد، والشنق إلى بداية رواية لاتنتهي. لم يمت الثلاثة في لحظة الإعدام، بل وُلدوا في وعي الفلسطينيين كرموزتتجدد كلما ظنّ المحتلون أنّ الحكاية انتهت. بين مشانقهم وقوانين اليوم، يمتد خيطٌ واحد: إرادة إخضاع الحياة لتعريفٍ واحد، وإرادة الفلسطيني في كسر هذا التعريف. هناك، كان الجسديُساق إلى الحبل؛ وهنا، يُساق المعنى إلى حافة التلاشي. وفي الحالتين، يولدالرد ذاته: أنّ الإنسان أكبر من نهايته، وأنّ الموت، مهما كان منظّماً، لا يستطيعأن يحتكر الحكاية. الإضراب، في عمقه، ليس دفاعاً عن البقاء البيولوجي فقط، بل عن حق الحياةفي أن تكون جديرة بالإنسان. هو رفضٌ لأن يُدفع الفلسطيني إلى خيارينقاسيين: موتٌ سريع، أو حياةٌ بطيئة تحت الإلغاء.  في الإضراب، يُفتح أفقٌ ثالث: أن تعيش وأنت تقاوم تعريفك، أن تظلحاضراً رغم محاولات المحو، أن تحوّل الامتناع ذاته إلى فعلٍ يربكآلةً كاملة.…