ليست القضية اليوم الدفاع عن كاتب، ولا الانتصار لمقال، ولا حتى الاتفاق مع ما كتبه صاحبه أو الاختلاف معه. القضية أبعد من ذلك بكثير: هل ما زال في فضائنا الفلسطيني متسع لرأي لا يعجب الفصائل؟ وهل يستطيع الكاتب أن ينتقد تنظيماً سياسياً دون أن يجد نفسه، في اليوم التالي، مطالباً بإثبات وطنيته والدفاع عن تاريخه وسمعته؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا أمام أي حملة تشويه تستهدف كاتباً بسبب موقف سياسي. فالمشكلة لا تبدأ عندما نختلف مع ما يكتب، بل عندما نعجز عن الرد على الفكرة بالفكرة، فننتقل من مناقشة القول إلى محاكمة قائله، ومن تفنيد الحجة إلى تفتيش النوايا، ومن السياسة إلى التخوين والتشهير والاغتيال المعنوي. يمكن أن نختلف جذرياً مع أي كاتب. ويمكن أن نرى في تحليله خطأً، وفي تقديره للموقف مبالغة، وفي مقترحاته السياسية ما لا نقبله. هذه ليست مشكلة؛ بل هي جوهر المجال العام الذي لا يعيش إلا بتعدد الآراء. المشكلة تبدأ حين يصبح المطلوب من الكاتب ألا يقول إلا ما ترضى عنه الجماعة، وألا ينتقد إلا الخصوم الذين تسمح له بانتقادهم، وألا يطرح سؤالاً يمس روايتها أو خياراتها أو قيادتها.
عندها لا نعود أمام اختلاف سياسي، بل أمام محاولة لإخضاع المجال العام. والقلم الحر ليس قلماً محايداً بلا موقف. قد يغضب، وينتقد، ويقسو أحياناً في عبارته، وقد يصيب ويخطئ. لكنه يفقد معناه عندما يصبح مطلوباً منه أن يستأذن قبل أن يسأل، أو أن يحسب حساباً لرد فعل التنظيم قبل أن يكتب. وظيفة الكاتب ليست حماية الفصائل من النقد، بل مساءلة السياسة حين تفشل، والسلطة حين تنحرف، والتنظيم حين يضع نفسه فوق المجتمع. وهنا يصبح الأمر أكثر حساسية في الحالة الفلسطينية. فنحن شعب دفع ثمناً هائلاً من دمه وبيته ومستقبله، ولا يجوز بعد كل هذه التضحيات أن يُطلب منه أيضاً أن يصمت عن السؤال: لماذا حدث ما حدث؟ ومن اتخذ القرار؟ وكيف أُديرت السياسة؟ وما الذي تحقق وما الذي خسرناه؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
هذه ليست أسئلة خيانة، بل أسئلة السياسة ذاتها. ولا توجد حركة وطنية أو إسلامية أو سلطة أو قيادة ينبغي أن تتمتع بحصانة من المساءلة. إن أي تنظيم يعتقد أن تاريخه أو تضحيات أعضائه تمنحه حصانة من النقد يسيء إلى ذلك التاريخ أكثر مما يحميه؛ لأن الحركات السياسية تكتسب احترامها بقدرتها على مواجهة الأسئلة، لا بقدرتها على إسكات أصحابها. وقد تكون أكثر اللحظات حاجة إلى النقد هي اللحظات التي ترتفع فيها كلفة القرار السياسي. فحين تكون النتائج محدودة يمكن احتمال الخطأ، أما حين تكون النتائج وطناً مدمراً، وآلاف القتلى، ومجتمعاً منكوباً، ومستقبلاً غامضاً، فإن السؤال والمراجعة والمحاسبة لا تعود ترفاً فكرياً، بل واجباً وطنياً.
ومن هنا فإن الرد على الكاتب يجب أن يكون بسيطاً وواضحاً: كتب فكرة؟ ناقشوها. قدم تحليلاً؟ فنّدوه. أخطأ في معلومة؟ صححوها. بالغ في استنتاج؟ قدموا الأدلة على خطئه. أما البحث في تاريخه، والتشكيك في وطنيته، وإلصاق التهم به، وتحريك الصفحات والحسابات لتشويه صورته، فلا يثبت خطأ ما كتب؛ بل يكشف عجزاً عن مواجهته في ميدان الأفكار. والأخطر أن ثقافة التشويه لا تتوقف عند الشخص المستهدف. الرسالة الحقيقية تصل إلى مئات الكتاب والباحثين والمثقفين الذين يشاهدون ما يحدث: انتبهوا، هذا ما قد يحدث لكم إذا تجاوز نقدكم الحدود المسموح بها.
هنا تتحول الحملة من استهداف فرد إلى صناعة الخوف. والخوف هو أخطر ما يمكن أن يصيب الثقافة السياسية. لأن الكاتب حين يبدأ بمراقبة عباراته خشية التشهير، والباحث حين يتجنب سؤالاً لأنه قد يغضب فصيلاً، والمثقف حين يصمت لأن كلفة الكلام أصبحت أكبر من كلفة السكوت، نكون قد خسرنا شيئاً أكبر من حرية شخص؛ نكون قد خسرنا قدرة المجتمع على مراجعة نفسه.
وهنا لا يمكن لشعب يسعى إلى الحرية أن يبني داخله ثقافة تخاف الحرية. ولعل أزمتنا الفلسطينية لم تعد فقط أزمة برامج سياسية وقيادات وفصائل، بل أصبحت أيضاً أزمة في أخلاق الاختلاف. لقد اعتدنا طويلاً أن نسأل: مع من أنت؟ قبل أن نسأل: ماذا تقول؟ وأن نبحث عن هوية صاحب الرأي قبل أن نفحص حجته. وهكذا تحولت مساحات واسعة من النقاش العام إلى معسكرات؛ لكل معسكر روايته ومفرداته وكتابه وخصومه. لكن فلسطين أكبر من كل ذلك. وإذا كانت قضيتنا في جوهرها قضية شعب يطالب بحريته، فمن التناقض أن نطالب العالم بأن يحترم حقنا في الكلام بينما نضيّق نحن على حق بعضنا في الاختلاف.
لقد دفعت غزة من الدم ما يكفي لكي يكون السؤال حقاً، والمراجعة واجباً، والمحاسبة ضرورة. وليس من المقبول بعد كل ما حدث أن يصبح السؤال نفسه جريمة، أو أن يُنظر إلى النقد باعتباره طعناً في الوطنية. نحن لا نحتاج إلى كُتاب يصفقون للفصائل، ولا إلى مثقفين يكتبون تحت سقوف تحددها التنظيمات. نحتاج إلى أقلام تقلق الجميع؛ تسأل حين يصمت الآخرون، وتراجع المسلمات، وتضع القرار السياسي أمام نتائجه، وتقول للسلطة والفصيل والقيادة ما قد لا يرغبون في سماعه. وقد يخطئ ذلك القلم. وحين يخطئ، نرد عليه بقلم. وحين يبالغ، نواجهه بالحجة. وحين تختلف قراءتنا عن قراءته، نكتب قراءة أخرى. أما أن يصبح ثمن الرأي هو السمعة والوطنية والكرامة الشخصية، فذلك ليس دفاعاً عن حركة سياسية ولا عن مشروع وطني؛ إنه إفقار للحياة السياسية نفسها. ولهذا فإن الدفاع اليوم ليس عن كاتب بعينه، ولا عن مقال بعينه. إنه دفاع عن حقنا جميعاً في أن نسأل دون خوف، وأن نختلف دون تخوين، وأن نكتب دون أن نتحول إلى أهداف. فالكاتب لا يحتاج إلى حصانة من النقد، كما أن الفصيل لا يستحق حصانة من المساءلة. والمعادلة التي ينبغي أن نحميها بسيطة: الفكرة تواجهها فكرة، والحجة تواجهها حجة، أما القلم فلا يُكسر لأن ما كتبه لم يعجبنا.
وفي النهاية، أنا لست هنا لأدافع عن أكرم عطا الله، فهو بما راكمه من تجربة في الكتابة والموقف أقدر على الدفاع عن نفسه، ولا يحتاج منا شهادة في وطنيته. إنما أدافع عن حقه في أن يكتب، وأن يسأل، وأن يختلف، وأن يقول ما يراه حتى عندما لا نتفق معه. فأكرم ليس مجرد اسم في سجال عابر؛ إنه قلم فلسطيني عاش وجع غزة وكتب عنها وعن أهلها طويلاً، ومن الظلم أن يُختزل تاريخ كاتب في موقف لم يعجب هذا الفصيل أو ذاك. قد نختلف مع أكرم اليوم، وقد نختلف معه غداً، لكننا سنظل بحاجة إلى أكرم وإلى كل قلم لا يستأذن الفصائل قبل أن يكتب؛ لأن فلسطين التي نحلم أن تكون حرة، لا يمكن أن تُبنى بأقلام خائفة.
