أنا لا أدري مَن أبكي أأبكي تيم ابن قلبي وقطعة روحي الصغيرة التي أودعتها التراب بيدي وأنا أعتذر منها أم أبكي أبي الذي يرقد في المستشفى يصارع إصابة خطيرة سرقت إحدى عينيه وتركت في جسده ووجعه ما لا أعرف كيف أصفه أم أبكي أبي لأنه لا يعرف بعد أن تيم رحل أم أبكي نفسي لأنني أنا الذي أعرف وأحمل هذا السر وأقف بين قلب أبي وبين الحقيقة كجندي وحيد لا يملك سلاحاً ولا يعرف إلى أين يهرب منذ اللحظة الأولى اتخذت قراراً بألا أكتب أن أعتزل الكلمات وأن أترك اللغة وشأنها فبعض الأوجاع لا تكتب لأن الكلمات أصغر من أن تحملها وبعض الفواجع لا تروى لأن الرواية نفسها تصبح خيانة لما حدث كيف يمكن للحروف أن تصف قلباً انسلخ عن صاحبه وكيف يمكن للجمل أن تحمل صوت طفل كان يملأ خيمة كاملة بالحياة ثم أصبحت الخيمة بعده أكبر من أن تتسع لغيابه كيف يمكن أن أكتب عن أبي وهو يسألني كل دقيقة عن حفيده وأنا أبتلع الحقيقة في كل مرة وأكذب عليه لأنني أحبه أكثر مما أحتمل قلت لن أكتب لكنني اليوم أكتب لا لأنني وجدت الكلمات بل لأن الدمع حين يعجز عن الخروج من العين يبدأ بالبحث عن مخرج آخر وأكتب لأن قلبي امتلأ حتى لم يعد يعرف كيف يحتمل نفسه أكتب بدمع العين وبدم القلب أكتب لا لأشرح ما حدث فليس في العالم تفسير يكفي أكتب فقط كي أتنفس وكي أقول إن تيم كان هنا وإنه لم يكن رقماً عابراً في خبر عاجل ولم يكن اسماً يمر على شاشة ثم يختفي كان طفلاً وكان ضحكة وكان حركة لا تهدأ وكان حياة كاملة تمشي على قدمين صغيرتين وكان فاكهة المكان وكانت الخيمة تعرفه قبل أن نناديه
تيم الذي قتلته قذيفة إسرائيلية لم يكن يعلم وهو يلعب أن الموت كان يراقبه ولم يكن يعرف أن دقائق قليلة تفصل بين ضحكة يطلقها وبين دم سيغطي جسده الصغير قبل الحادثة بقليل كنت معه لعبنا وضحكنا ثم غادرت المكان غادرت وأنا أظن أن العالم سيظل على عادته لبضع ساعات أخرى على الأقل وما هي إلا دقائق دقائق فقط حتى وصلني تيم مضرجاً بدمه ولا أعرف منذ تلك اللحظة أين انتهت الدقائق وأين بدأ العمر الآخر هناك لحظات تقسم الإنسان إلى شخصين شخص كان موجوداً قبلها وشخص آخر يولد بعدها ولا يعرف كيف يعيش منذ أن رأيت دم تيم وأنا لست الرجل نفسه منذ أن حملته وأنا أشعر أن شيئاً في داخلي يحمل معي إلى مكان لا عودة منه بقي دمك علي يا تيم بقيت رائحته على جسدي ولم أستحم منه إلا بعد يومين يومين كاملين وأنا أحمل على جلدي ما بقي منك وكأنني كنت أخاف أن أغتسل منك أن ينزل الماء فيأخذ معه آخر دليل على أنك كنت بين ذراعي وكأن دمك صار شيئاً منك لا أملك أن أتخلى عنه يا تيم يا ابن القلب يا قطعة الروح التي لم أعرف قيمتها كاملة إلا حين صارت غياباً كيف هان علي أن أنزلك إلى التراب أي يد هذه التي استطاعت أن تفعل ذلك وأي قلب هذا الذي بقي ينبض بعد أن رأى جسدك الصغير يوارى تحت الأرض أنا الذي كنت أحملك لتلعب حملتك هذه المرة إلى المقبرة ولكم تمنيت لو أن الطريق إليها لا ينتهي لو ظللت أمشي بك مسافة أطول من العمر لو أنني ضللت الطريق لو أن الأرض نفسها رفضت أن تصل بنا إلى تلك الحفرة كنت أريد أن أسير بك إلى آخر العالم وأن أقول للمقبرة ليس هذا موعده وأن أقول للأرض لا تأخذي طفلاً بعد لكن الطريق انتهى كما تنتهي كل الطرق التي لا نريد لها أن تنتهي وانتهى بي عند قبر أمي
عند قبر جدتك يا تيم عند المرأة التي كانت تحبك كما لو أنك آخر فرح بقي لها في هذا العالم كانت تدللك وكانت تفرح بك وكنت حبيبها الصغير ثم ها أنت تدخل إليها في بيتها الجديد جسدك الصغير يلتصق بجسدها بعد أن فرقت الحرب بيننا وبين أحبائنا حتى صار التراب وحده يجمعهم هناك يا أمي هناك جاء تيم إليك جاءك الطفل الذي أحببته فاستقبليه كما كنت تفعلين دائماً احتضنيه يا أمي قبليه وقولي له إننا لم نكن نريد له أن يأتي بهذه السرعة ثم هلنا التراب وما زلت حتى الآن لا أعرف كيف فعلنا ذلك كيف استطاعت أيدينا أن ترمي التراب فوق من كنا نمنع عنه حتى غبار الطريق وكيف قبلنا أن يختفي وجهه وكيف قبلنا أن يصبح بيننا وبينه كل هذا التراب يا تيم سامحني سامحني لأنني لم آخذك إلى البحر ما زال البحر هناك وربما ينتظر خطواتك الصغيرة التي لم تصل إليه سامحني لأنني نسيت يوماً أن أحضر لك الحلوى التي تحبها سامحني لأنني صرخت عليك مرة سامحني لأننا لم نمش كثيراً معاً سامحني لأنني لم أنم إلى جوارك كثيراً نحن لا نعرف قيمة الأشياء الصغيرة إلا حين يصبح من المستحيل أن نعيدها الآن أتمنى لو عاد الزمن دقيقة واحدة فقط لا سنة ولا شهراً ولا يوماً دقيقة واحدة أقول فيها لك ما لم أقله وأشتري لك ما نسيت أن أشتريه وأسمح لك أن تملأ المكان ضجيجاً أكثر وأدعك توقظني وأدعك تفسد علي كل شيء وأدعك تلعب حتى أتعب وأدعك تنام إلى جواري حتى الصباح الآن فقط أعرف كم كانت تلك الأشياء الصغيرة كبيرة كانت الحياة نفسها يا تيم
أذكر كيف كنت أطاردك في الخيمة وألتفت إلى أختي وأقول لها إن الخيمة من دون تيم ستكون قبراً كنت أقولها مازحاً ولا أعرف أن بعض الكلمات تخرج من أفواهنا كأنها نبوءات لا ننتبه إليها كنت أقول إن الخيمة من دونك قبر واليوم أدخل إليها فأشعر أن شيئاً منها دفن معك كان فيها ضحكك وصراخك ولعبك وفوضاك الجميلة وكان فيها ذلك النوع من الحياة الذي لا يمكن استعادته الآن الصمت فيها ليس صمتاً إنه غيابك وقد صار له صوت تيم لم يكن طفلاً عادياً في حياتنا كان ابناً لأبي وصاحبه وصديقه وخليله الصغير كان صاحب الحصانة الكاملة في قلبه وله المكانة التي لا ينافسه عليها أحد كان يدخل إلى أبي كما يدخل الإنسان إلى وطنه وكان صدر أبي أعظم لجوء إنساني عرفه تيم في هذا العالم إذا اغتم قلب أبي ضحك تيم فهدأ وإذا تعبنا من الدنيا نادينا تيم فجاء ببساطة طفل لا يعرف أنه يحمل في ضحكته كل هذه القدرة على إنقاذ الكبار كان إذا دخل المكان خفت الحزن قليلاً وكأن الله وضع في هذا الطفل الصغير مهمة سرية أن يخفف عنا ثقل الحياة وأن يذكرنا بأن العالم رغم كل شيء يمكن أن يضحك ثم جاءت قذيفة واحدة وقررت أن تأخذ الضحكة وأن تتركنا جميعاً أمام سؤال واحد كيف يمكن لطفل أن يغادر بهذه السرعة
أنا لا أفهم حكمة الله في أن يأخذ روحاً بريئة مثل روح تيم ولا أجادل الله ولا أعترض على قدره فأنا مؤمن بالله وعدله وأعرف أن عقولنا الصغيرة لا تستطيع أن تحيط بكل حكمة السماء لكن الإيمان لا يعني أن القلب لا يتوجع والتسليم لا يعني أن الدمع لا ينزل والصبر لا يعني أننا لا ننهار في داخلنا كل يوم ألف مرة أنا مؤمن يا رب لكنني موجوع وأنت تعلم كم أنا موجوع ثم هناك أبي يا الله أبي الذي أصيب في القصف نفسه أبي الذي فقد عينه وهو لا يعرف بعد أنه فقد حفيده أبي الذي خرج من العملية مثقلاً بالألم وهو لا يعرف أن الطفل الذي كان جزءاً من روحه قد رحل وأنا أقف أمامه عاجزاً يسألني كل دقيقة ماذا جرى لتيم كيف هو تيم أين تيم وأنا أقول له إنه في العناية المركزة أقولها ثم أشعر أن شيئاً في قلبي ينكسر لكنه أبي كيف أقول له إن الطفل الذي ينتظره لن يعود كيف أنظر إلى عينه التي بقيت له وأقول لها إن تيم لن يدخل من باب الخيمة مرة أخرى كيف أخبر رجلاً خرج لتوه من معركة مع الموت أن الموت كان قد دخل إلى قلبه قبله أنا أقف حارساً على باب غرفته في المستشفى وأستقبل الناس وأهمس في آذانهم أرجوكم لا تعزوه أمامه أرجوكم لا تذكروا تيم أرجوكم لا تقولوا كلمة واحدة وأعيش كأنني أحرس آخر جدار بين أبي وبين الانهيار
ينام قليلاً ويغفو ثم يستيقظ ثم يتذكر وكأن قلبه يعرف ما لا نريد أن يعرفه يسألني من جديد كيف تيم وأنا أعيد الكذبة نفسها في العناية المركزة يا أبي سيكون بخير يا أبي وأنا في داخلي أصرخ سامحني يا أبي سامحني أنا أكذب عليك لأنني لا أملك الشجاعة لأقتلك بالحقيقة ثم أخطأ أحد أصدقائي في زلة لسان وعزاه في تيم أمام أبي وفجأة انتفض أبي رغم أنه لا يستطيع الحركة وقال ما له تيم وين تيم ثم نظر إلي يا الله تلك النظرة لم تكن نظرة غضب فقط كانت نظرة إنسان أدرك أن الحقيقة كانت تقف أمامه وأن ابنه حجبها عنه نظر إلي كأنني خذلته وأنا لم أعرف كيف أشرح له أنني لم أخف عليه من الحقيقة بل خفت من قلبي أن ينكسر وأنا أراه يسمعها يا أبي ماذا أقول لك وكيف تطاوعني نفسي أن أقول أنا أيضاً مطعون في قلبي أنا أيضاً لا أعرف أين أضع وجعي أنا أيضاً فقدت تيم أنا الذي حملته إلى قبره أنا الذي رأيت دماءه أنا الذي دفنت معه شيئاً مني كيف تريدني أن أكون قوياً وأنا بالكاد أستطيع أن أقف ثم تسألني عن عينك فتقول لي كيف أصبحت وأقول لك أجرينا العملية يا أبي وأحاول أن أبدو هادئاً ثم أهرب من الغرفة أخرج بسرعة كي لا ترى دموعي كي لا تعرف أنني حين أجيبك عن عينك أفكر في تيم وأنني حين تسألني عن تيم أتذكر عينك وأنني منذ تلك القذيفة أحمل موتاً وإصابة وسراً وذنباً وحزناً في قلب واحد
اعترف يا أبي أنا جبان أمامك أنا الذي واجهت كثيراً من المشاهد ولم أستطع أن أواجه دمعة في عينك أنا الذي تعلمت أن أصف الحروب ولا أستطيع أن أصف ما فعلته الحرب بي أنا جيش مهزوم أمام رجل واحد هو أبي مهزوم أمام سؤاله ومهزوم أمام وجعه ومهزوم أمام عينه التي بقيت تسألني عن حفيدها ومهزوم أمام الحقيقة التي لا أملك شجاعة نطقها ولا أملك القدرة على دفنها أي قدر هذا الذي يجعل الرجل في يوم واحد مطالباً بأن يكون قوياً للجميع أن يبكي تيم وحده ويكتم الحقيقة عن أبي ويحاول أن يبدو ثابتاً أمام أمهات وآباء منكسرين ثم يعود إلى نفسه فلا يجد فيها مكاناً آمناً ينهار فيه أنا لا أدري من أبكي أبكي تيم أم أبكي أبي أم أبكي أمي التي جاء إليها تيم مسرعاً أم أبكي الخيمة التي فقدت طفلها وصارت أوسع من احتمالنا أم أبكي نفسي لأنني ما زلت حياً بعد كل هذا لكنني أعرف شيئاً واحداً أن تيم لم يرحل وحده أخذ معه جزءاً من كل واحد منا أخذ ضحكة من أبي وقطعة من قلب أمه وأبيه وأخذ من خيمتنا صوتها وأخذ من طفولتنا المتأخرة آخر ما كان يثبت أن الحياة ما زالت ممكنة وأخذ مني أنا شيئاً لن يعود
يا تيم سامح عمك إن أخطأ في حقك يوماً سامحه إن نسي أن يأخذك إلى البحر وإن نسي الحلوى وإن صرخ وإن انشغل وإن لم يمش معك بما يكفي وإن لم ينم إلى جوارك بما يكفي فنحن يا حبيبي لا نعرف أن آخر مرة قد تكون آخر مرة لا نعرف ونحن نضحك أن الضحكة قد تكون الأخيرة ولا نعرف ونحن نودع بعضنا أن الوداع قد يكون أطول من العمر كنت أظن أننا سنعيش أشياء كثيرة معاً كنت أظن أن أمامك وقتاً طويلاً لتكبر أن تكبر قليلاً ثم كثيراً وأن تتغير ملامحك وأن يصبح صوتك أثقل وأن تركض بعيداً عني ثم تعود وأن تغضب وأن تحب وأن تحلم وأن تذهب إلى البحر وأن تأكل الحلوى التي وعدتك بها لكن الحرب لا تمنح الأطفال الوقت والصواريخ لا تسأل عن أعمار الذين تقتلهم تيم يا حبيب القلب نم قرب جدتك قل لها إننا ما زلنا نذكرها وقل لها إننا لم ننسها وقل لها إن أباك الكبير ما زال هنا موجوعاً ومصاباً وفاقداً إحدى عينيه ولا يعرف بعد أن حفيده جاء إليها وقل لها إن ابنها الذي كان يجب أن يكون قوياً أمام الجميع صار يكتب الآن لأنه لم يعد يعرف ماذا يفعل بوجعه قل لها إنني حاولت حاولت ألا أكتب لكنني فشلت فبعض الحزن لا يمكن أن يصمت وبعض الفقد لا يمكن أن يمر في القلب دون أن يترك فيه صوتاً إلى الأبد
يا تيم لا أعرف كيف أودعك ولا أعرف كيف أعود إلى الخيمة من دون أن أبحث عنك ولا أعرف كيف سأعيش مع أبي وهو يسألني عنك ولا أعرف كيف سأخبره أن حفيده الذي كان يضحكه لم يعد هنا لكنني أعرف أنك كنت محبوباً محبوباً إلى الحد الذي جعل غيابك أكبر من قدرتنا على احتمال الحياة وأعرف أن دمك لم يكن مجرد دم طفل كان دم عالم كامل كان يمكن أن يكون كان سنوات لم تعش وضحكات لم تكتمل وخطوات لم تصل إلى البحر وأحلاماً لم تجد الوقت لتولد أنا لا أدري من أبكي لكنني أعرف أنني أبكي الآن أبكي تيم وأبي وأمي والخيمة ونفسي أبكي الطفل الذي دفنته والأب الذي لم أستطع أن أخبره والأم التي فتحت قبرها لحفيدها وأبكي ذلك الرجل الذي كنت أظنه أنا ثم فقدته في الطريق بين دم تيم وقبره رحمك الله يا تيم يا ابن القلب يا ضحكة الخيمة يا حبيب جدك يا دلوع جدتك يا الطفل الذي كان صدر أبي له وطناً رحمك الله يا صغيري وإذا كان لي من أمنية أخيرة بعد كل ما حدث فهي أن تسامحني أن تسامحنا جميعاً لأننا لم نكن نعرف أن ذلك اللعب الذي سبق القذيفة بدقائق كان آخر لعب وأن تلك الضحكة كانت آخر ضحكة وأنني حين غادرتك كنت أغادر جزءاً من قلبي لن أراه في هذه الدنيا مرة أخرى
:::
