لم يكن تقرير هآرتس الأخير مجرد مادة صحفية جديدة عن إخفاقات السابع من أكتوبر، بل أعاد إحياء أحد أكثر الأسئلة إيلاماً داخل إسرائيل: ماذا لو كانت التحذيرات موجودة بالفعل، لكن أحداً لم يتعامل معها بالجدية المطلوبة؟
وبينما سارع مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى نفي ما ورد في التقرير ووصفه بأنه “كذبة كاملة”، فإن الأثر السياسي للرواية قد يكون أعمق من مضمونها نفسه إذا تمكنت من ترسيخ نفسها داخل الوعي الإسرائيلي.
بحسب التقرير، فإن المسألة لا تتعلق فقط بتحذيرات صادرة عن أجهزة أمنية إسرائيلية أو رسائل نقلتها أطراف اقليمية، بل بإضافة عنصر جديد إلى المشهد يتمثل في تحذير مزعوم من رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد قبل أيام من الهجوم. وهذا ما يمنح القضية بعداً مختلفاً، لأنها تطرح تساؤلات حول ما إذا كانت إشارات الخطر وصلت من خارج المؤسسة الأمنية أيضاً.
من الإخفاق الأمني إلى المسؤولية الشخصية
منذ اليوم الأول للحرب، حاول نتنياهو الحفاظ على صورته باعتباره قائداً واجه أزمة غير مسبوقة نتجت عن فشل استخباراتي وأمني واسع. لكن خصومه يرون أن المسؤولية لا تتوقف عند حدود الأجهزة الأمنية، بل تمتد إلى المستوى السياسي الذي كان يتخذ القرارات النهائية.
ولهذا السبب تحديداً يشكل تقرير هآرتس إحراجاً سياسياً لرئيس الوزراء، لأنه يعيد النقاش من سؤال “من أخطأ في التقدير؟” إلى سؤال أكثر خطورة: “هل كانت هناك تحذيرات إضافية لم يتم التعامل معها؟”. فبالنسبة للرأي العام الإسرائيلي، يمثل الفرق بين الحالتين مسألة جوهرية في تحديد المسؤوليات.
المعارضة تجد فرصة جديدة
لم تنتظر المعارضة الإسرائيلية طويلاً لاستثمار ما نُشر. فقد اعتبر رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت أن المعلومات الواردة في التقرير، إذا ثبتت صحتها، تعزز الاتهامات الموجهة إلى نتنياهو بشأن مسؤوليته عن الإخفاق الذي سبق الهجوم.
أما زعيم حزب الديمقراطيين يائير غولان، فذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن التقارير المتتالية ترسم صورة لقيادة سياسية لم تستوعب حجم التهديد القادم، بينما قال غادي آيزنكوت إن المعطيات الجديدة تضيف المزيد من علامات الاستفهام حول أداء الحكومة قبل السابع من أكتوبر.
هذه التصريحات تعكس اتجاهاً متصاعداً داخل إسرائيل يهدف إلى نقل النقاش من الميدان العسكري إلى المستوى السياسي، أي من مساءلة الجيش والأجهزة الأمنية إلى مساءلة رئيس الحكومة نفسه.
صورة “السيد أمن” تتعرض للاهتزاز
على مدار سنوات طويلة، نجح نتنياهو في تقديم نفسه أمام الإسرائيليين باعتباره “رجل الأمن الأول”، والقائد القادر على فهم التهديدات الإقليمية وإدارتها.
لكن أحداث 7 أكتوبر كانت ضربة قاسية لهذه الصورة، وأي رواية جديدة تتحدث عن تحذيرات لم يتم التعامل معها قد تزيد من التآكل الذي أصاب هذه المكانة.
سياسياً، قد يغفر الناخب أخطاء الحرب إذا اعتقد أنها كانت مفاجئة وغير متوقعة، لكنه يتعامل بشكل أكثر قسوة مع أي انطباع يوحي بأن إشارات الخطر كانت موجودة وتم تجاهلها أو التقليل من شأنها.
الإمارات في قلب الجدل
ورغم أن التقرير لا يتضمن أي دليل على وجود تحرك إماراتي ضد نتنياهو أو محاولة للتأثير على مستقبله السياسي، فإن مجرد ظهور اسم الإمارات في القضية أضفى عليها ثقلاً إضافياً.
فأبوظبي تُعد من أبرز الشركاء الإقليميين لإسرائيل منذ توقيع اتفاقيات أبراهام، ولذلك فإن الحديث عن تحذير مزعوم صادر من هذا المستوى يضيف بعداً سياسياً جديداً للنقاش الإسرائيلي الداخلي.
ومع ذلك، يبقى من المهم التذكير بأن الرواية بأكملها ما زالت محل خلاف، وأن مكتب نتنياهو نفى بشكل قاطع حدوث الاتصال أو تلقي أي تحذير من هذا النوع.
هل يهدد التقرير مستقبل نتنياهو؟
في الوقت الراهن، لا يبدو أن تقريراً واحداً قادر على إسقاط نتنياهو أو إحداث تحول فوري في المشهد السياسي الإسرائيلي. لكن الخطر الأكبر بالنسبة له يتمثل في تراكم الروايات والشهادات التي تدور حول الفكرة نفسها.
فإذا ترسخت لدى الإسرائيليين قناعة بأن:
التحذيرات كانت متعددة،
ووصلت إلى مستويات عليا،
ولم تُقابل بإجراءات كافية،
فإن ذلك قد يتحول إلى عنصر حاسم في أي معركة انتخابية مقبلة، وربما يشكل أساساً لمطالبات أوسع بالمحاسبة السياسية.
ولهذا، فإن التهديد الحقيقي الذي يمثله تقرير هآرتس لنتنياهو لا يكمن فقط في مضمونه، بل في قدرته على تعزيز سردية آخذة في التبلور داخل إسرائيل مفادها أن إخفاق 7 أكتوبر لم يكن نتيجة نقص المعلومات فحسب، بل ربما كان أيضاً نتيجة إخفاق في التعامل السياسي مع التحذيرات المتاحة قبل وقوع الكارثة.
