أثارت الاتهامات التي وجهها حزب الليكود الإسرائيلي إلى محمد دحلان بالوقوف خلف التسريبات التي استند إليها تحقيق صحيفة هآرتس عاصفة من الجدل السياسي والإعلامي، ليس فقط بسبب طبيعة الاتهامات، بل أيضاً بسبب توقيتها الحساس مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية. فقد اختار الليكود الانتقال من مواجهة مضمون التحقيق وما تضمنه من مزاعم حول تحذيرات سبقت هجوم السابع من أكتوبر، إلى الحديث عن “تدخل أجنبي” ومحاولة التأثير على المشهد الانتخابي الإسرائيلي، موجهاً أصابع الاتهام إلى دحلان دون تقديم أدلة علنية تثبت ضلوعه في تسريب المعلومات أو التنسيق بشأن نشرها. 

لماذا دحلان؟

بالنسبة للمراقبين، لا يبدو اختيار اسم محمد دحلان أمراً عشوائياً. فالرجل يعد من أكثر الشخصيات الفلسطينية حضوراً على المستوى الإقليمي والدولي، ويتمتع بشبكة علاقات عربية ودولية واسعة، خاصة في منطقة الخليج العربي، كما يحظى بحضور سياسي في عدد من الملفات الإقليمية المتعلقة بالقضية الفلسطينية ومستقبل قطاع غزة.

وتنظر أوساط سياسية إلى دحلان باعتباره أحد الشخصيات الفلسطينية القليلة التي ما زالت تحتفظ بقنوات اتصال وعلاقات ممتدة مع دوائر إقليمية ودولية مؤثرة، الأمر الذي جعل اسمه حاضراً باستمرار في النقاشات المرتبطة بترتيبات “اليوم التالي” للحرب في غزة.

ومن زاوية الليكود، فإن ربط دحلان بالتسريبات يحقق هدفين رئيسيين؛ الأول تحويل الأنظار عن الأسئلة المتصاعدة داخل إسرائيل بشأن ما إذا كانت تحذيرات قد وصلت إلى القيادة الإسرائيلية قبل السابع من أكتوبر، والثاني تقديم القضية للرأي العام الإسرائيلي باعتبارها محاولة خارجية للتأثير على نتائج الانتخابات وليس مجرد تحقيق صحفي أو خلاف سياسي داخلي. 

البعد الشخصي للصراع

ولا يمكن فصل الاتهامات الإسرائيلية عن البعد الشخصي والسياسي في العلاقة بين محمد دحلان وبنيامين نتنياهو.

فدحلان، ابن قطاع غزة، كان من بين الشخصيات الفلسطينية التي دفعت ثمناً إنسانياً باهظاً خلال الحرب الأخيرة، حيث تشير تقارير متداولة إلى فقدانه عدداً كبيراً من أفراد عائلته وأقاربه جراء الحرب، وهو ما يعزز الانطباع بوجود خصومة سياسية وشخصية عميقة مع نتنياهو وحكومته.

غير أن وجود خصومة سياسية أو دافع شخصي، مهما كان حجمه، لا يشكل بحد ذاته دليلاً على صحة الاتهامات التي يطرحها الليكود، وهو ما لم يتم إثباته حتى الآن من خلال أي أدلة علنية أو وثائق منشورة.

من لاجئ من حمامة إلى لاعب إقليمي

يستمد محمد دحلان جزءاً مهماً من حضوره في الوعي الفلسطيني من كونه لاجئاً فلسطينياً تعود جذور عائلته إلى قرية حمامة المهجرة قرب المجدل، إحدى القرى الفلسطينية التي هُجّر سكانها عام 1948.

وتمنح هذه الخلفية الوطنية دحلان حضوراً رمزياً لدى قطاع من الفلسطينيين الذين يرون فيه نموذجاً للاجئ الفلسطيني الذي شق طريقه في العمل الوطني والسياسي ووصل إلى مستويات متقدمة من التأثير الإقليمي.

وعلى مدار عقود، شغل دحلان مواقع أمنية وسياسية بارزة في الساحة الفلسطينية، ما أتاح له بناء شبكة واسعة من العلاقات والتأثيرات على المستويين العربي والدولي.

التأييد الشعبي والحضور الفلسطيني

رغم سنوات الغياب عن المؤسسات الرسمية الفلسطينية، لا يزال محمد دحلان يتمتع بحضور سياسي وشعبي ملحوظ داخل قطاع غزة والضفة الغربية كما يحتفظ بقاعدة مؤيدة داخل أوساط من حركة فتح وكوادرها السابقة.

ورغم عدم وجود انتخابات فلسطينية حديثة يمكن من خلالها قياس الأوزان الحقيقية للفصائل والشخصيات الفلسطينية، إلا أن المتابعين للشأن الفلسطيني يدركون أن دحلان ما زال يمثل تياراً فاعلاً ومؤثراً في المعادلة الفلسطينية، وأن حضوره الشعبي والتنظيمي لا يمكن تجاهله أو شطبه من المشهد السياسي الفلسطيني.

كما يرى الكثيرون أن استمرار حضوره في النقاشات المتعلقة بغزة ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني يعكس حجم التأثير الذي ما زال يتمتع به، سواء داخل الأراضي الفلسطينية أو في المحيط العربي.

أين تكمن قوة دحلان؟

تكمن قوة محمد دحلان اليوم في مجموعة من العوامل المتراكمة، أبرزها:

شبكة علاقات عربية ودولية واسعة ومتشعبة.
خبرة سياسية وأمنية تراكمت على امتداد عقود.
قاعدة تأييد وحضور تنظيمي داخل فلسطين، خصوصاً في قطاع غزة.
قدرة على التواصل مع أطراف إقليمية ودولية مؤثرة في ملفات المنطقة.

ولهذا السبب ينظر كثير من المراقبين إليه باعتباره أحد اللاعبين الفلسطينيين القادرين على التأثير في عدد من الملفات الإقليمية المرتبطة بالقضية الفلسطينية، حتى وإن لم يكن يشغل أي منصب رسمي داخل السلطة الفلسطينية.

الخلاصة

في المحصلة، تبدو اتهامات الليكود ضد محمد دحلان جزءاً من معركة سياسية وانتخابية إسرائيلية محتدمة أكثر من كونها قضية تستند حتى الآن إلى أدلة معلنة وحاسمة. فالليكود يسعى إلى نقل النقاش من مضمون تحقيق هآرتس وما أثاره من أسئلة محرجة حول أحداث ما قبل السابع من أكتوبر، إلى الحديث عن تدخلات خارجية وشخصيات إقليمية مؤثرة. 

وفي المقابل، يبقى دحلان شخصية فلسطينية تمتلك حضوراً سياسياً وشعبياً وعلاقات إقليمية واسعة، إضافة إلى دوافع سياسية ووطنية وشخصية تجعله في موقع الخصومة مع سياسات بنيامين نتنياهو. غير أن الانتقال من هذه الوقائع إلى الجزم بأنه يقف وراء التسريبات المنسوبة إلى هآرتس يظل بحاجة إلى أدلة واضحة لم تُعرض للرأي العام حتى الآن.

وعليه، يمكن قراءة الهجوم الإسرائيلي على دحلان باعتباره جزءاً من صراع أوسع يتجاوز شخصه، ليشمل مستقبل قطاع غزة، وشكل النظام السياسي الفلسطيني في المرحلة المقبلة، ومسؤولية القيادة الإسرائيلية عن الإخفاقات التي سبقت السابع من أكتوبر، بقدر ما يعكس أيضاً طبيعة المنافسة الانتخابية المحتدمة داخل إسرائيل نفسها.ة الانتخابية المحتدمة داخل إسرائيل نفسها.

شاركها.