سؤال اقتصادي مهم يظهر حول مدى استفادة السوق المصرية من المخزون العقاري القائم بالفعل، خاصة مع وجود ملايين الوحدات السكنية المغلقة وغير المستغلة في الوقت الذي تتواصل فيه مشروعات التوسع العمراني وبناء المدن الجديدة وطرح الوحدات السكنية بمختلف أنظمتها.

وتحولت العقارات خلال السنوات الماضية إلى أحد أبرز أوعية الاستثمار لدى المصريين، إلا أن استمرار غلق عدد كبير من الوحدات دون استخدام يثير تساؤلات حول حجم الأموال المجمدة داخل القطاع العقاري، ومدى تأثير ذلك على حركة الاقتصاد والاستفادة من البنية التحتية التي تحملت الدولة تكاليف توفيرها.

وانتقد الدكتور حسن الصادي، أستاذ اقتصاديات التمويل بكلية التجارة جامعة القاهرة والخبير الاقتصادي، ما وصفه بظاهرة «الهوس العقاري» وتجميد الأموال في الوحدات السكنية المغلقة، مؤكدًا أن العقار بشكله الحالي لم يعد ملاذًا آمنًا لاستثمارات المصريين، وإنما أصبح، في بعض الحالات، عبئًا على الاقتصاد القومي.

هل مصر بحاجة إلى وحدات سكنية جديدة؟

وتساءل الدكتور حسن الصادي  في لقاء إعلامي عن الهدف الأساسي من التوسع في البناء، قائلًا: «هل هدف الدولة هو البناء لمجرد البناء أم توفير السكن؟».

وأوضح أن الهدف الأساسي يجب أن يكون توفير السكن للمواطنين، مشيرًا إلى أن السوق المصرية لديها بالفعل مخزون كبير من الوحدات السكنية، إلا أن جزءًا منه مغلق وغير مستغل.

وأكد الصادي ضرورة وجود نظرة أكثر شمولًا للملف العقاري، بحيث لا يقتصر الأمر على زيادة عمليات البناء، وإنما يمتد إلى كيفية الاستفادة من الوحدات الموجودة بالفعل وتحويلها من أصول مغلقة إلى ثروة منتجة داخل الاقتصاد.

20 مليون وحدة سكنية مغلقة

وكشف الخبير الاقتصادي عن حجم كبير للثروة العقارية غير المستغلة، مشيرًا إلى تصريحات رئيس لجنة الإسكان بمجلس النواب بشأن وجود 20 مليون وحدة سكنية مغلقة وغير مأهولة في الاقتصاد المصري.

واشار إلى أن هذه الأرقام تعزز ما سبق وأعلنه رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء خلال عامي 2016 و2017، بحضور رئيس الجمهورية، بشأن وجود نحو 12.5 مليون وحدة سكنية مغلقة.

وأوضح أن وجود هذا العدد الضخم من الوحدات غير المستغلة يطرح تساؤلًا أساسيًا حول جدوى الاستمرار في ضخ استثمارات جديدة في البناء، في الوقت الذي توجد فيه ثروة عقارية قائمة يمكن الاستفادة منها.

السوق يمتلك احتياجات 15 عامًا

وأشار الدكتور حسن الصادي إلى أن حجم المخزون العقاري المغلق يعني أن السوق المصرية تمتلك ما يكفيها من الوحدات السكنية لمدة تصل إلى 15 عامًا مقبلة، دون الحاجة إلى بناء طوبة واحدة جديدة، .

وشدد على أن القضية لا تتعلق برفض البناء أو التنمية العمرانية، وإنما بضرورة تحقيق التوازن بين بناء وحدات جديدة وبين استغلال الوحدات القائمة، خاصة أن جزءًا كبيرًا منها تم توصيله بالفعل بمرافق وخدمات أساسية.

وأكد أن استمرار إغلاق هذه الوحدات يحرم الاقتصاد من الاستفادة منها، سواء من خلال السكن أو التأجير أو الاستثمار المنتج، ويؤدي في المقابل إلى تجميد أموال ضخمة بعيدًا عن دورة النشاط الاقتصادي.

البنية التحتية تحملتها الدولة

وانتقد الخبير الاقتصادي استنزاف الاستثمارات في عقارات لا يتم استخدامها، موضحًا أن الدولة أنفقت مليارات الجنيهات من الموازنة العامة لتوصيل البنية التحتية والخدمات إلى المدن والمناطق العقارية الجديدة.

وأشار إلى أن هذه الخدمات تشمل المياه والكهرباء والغاز والطرق والاتصالات، وهي تكلفة تتحملها الدولة وتمول في جانب منها من موارد المواطنين والضرائب.

وتساءل الصادي: «هل أنشأنا هذه البنية التحتية لكي يقوم المستثمر بتسقيع العقار ويرتفع سعره من 200 ألف إلى ملايين الجنيهات على حساب دم المواطن؟».

وأكد أن الدولة والمواطن تحملا تكلفة توفير هذه الخدمات، وبالتالي يجب العمل على تحقيق الاستفادة الاقتصادية منها، بدلًا من ترك الوحدات مغلقة وتحولها إلى أصول غير منتجة.

مقترحات لإعادة الوحدات إلى الاقتصاد

وطرح الدكتور حسن الصادي مجموعة من الحلول التي تستهدف إعادة الوحدات السكنية المغلقة إلى الدورة الاقتصادية، وفي مقدمتها تفعيل شركات إدارة الأصول العقارية، بما يساعد ملاك الوحدات على تأجيرها لفترات زمنية محددة.

وأوضح أن هذه الآلية يمكن أن تتم في إطار ضمانات قانونية قوية تضمن حقوق المالك وتتيح له استعادة وحدته في الوقت الذي يريده، بما يشجع أصحاب العقارات المغلقة على طرحها للإيجار بدلًا من تركها دون استخدام.

واقترح فرض ضرائب رادعة على الوحدات الشاغرة والمغلقة، مع استثناء الوحدات التي يسكن فيها المواطن وأسرته، بحيث تستهدف الإجراءات الوحدات غير المستغلة وليس المسكن الذي يعيش فيه المواطن.

ضرائب على الوحدات المغلقة

ويرى الصادي أن فرض رسوم أو ضرائب على الوحدات المغلقة يمكن أن يمثل أداة اقتصادية لتشجيع أصحابها على استغلالها، بدلًا من الاحتفاظ بها بهدف ارتفاع قيمتها فقط.

وأشار إلى إمكانية توجيه حصيلة هذه الضرائب إلى خزينة الدولة، بما يدعم الموارد العامة، ويحقق قدرًا من العدالة الاقتصادية، خاصة أن البنية التحتية والخدمات المرتبطة بهذه الوحدات تم توفيرها بالفعل.

وتعيد تصريحات الخبير الاقتصادي ملف الوحدات السكنية المغلقة إلى دائرة النقاش، في ظل استمرار الطلب على السكن من جانب شرائح واسعة من المواطنين، مقابل وجود مخزون عقاري ضخم غير مستغل، وهو ما يطرح تساؤلات حول كيفية تحقيق أقصى استفادة من الثروة العقارية القائمة قبل التوسع في إنشاء مخزون جديد.

شاركها.