تتواصل المعطيات المعيشية السلبية في دولة الاحتلال تظهر تباعا، وآخرها النقص الحاد في أعداد الأطباء، حيث يوجد 3.5 طبيب لكل ألف نسمة، إضافة لعدم تحديث معايير توظيفهم، وتزداد فجوة تعيينهم بين المركز والأطراف.

 

طبيبة الأعصاب، والباحثة في مجال الدماغ، وأستاذة فخرية بجامعة بن غوريون يائيل عماتي، أكدت أن “إسرائيل تعاني من نقص في الأطباء، ففي 2023، بلغ عدد الأطباء العاملين 3.5 طبيب لكل ألف نسمة، مقارنةً بمتوسط 3.9 طبيب لكل ألف نسمة في الدول المتقدمة، منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ومنذ ذلك الحين، هاجر العديد من الأطباء للخارج، ما زاد من حدة النقص، كما لم يتم تحديث معايير توظيف الأطباء في المستشفيات الحكومية منذ ثمانينيات القرن الماضي”.

 

وأضافت عماتي في مقال نشره موقع زمان إسرائيل، وترجمته “عربي21” أن “بعض الأطباء المتاحين للعمل لا يشغلون وظائف معتمدة، ويعود هذا النقص بشكل رئيسي إلى أن النمو السكاني أسرع من معدل تدريب الأطباء، وأن نسبة كبيرة من الأطباء من كبار السن، وتتفاقم المشكلة في المناطق الطرفية، ففي تل أبيب، بلغ عدد الأطباء خمسة لكل ألف نسمة عام 2022، مقارنةً بأقل من طبيبين في الجنوب، فهل تعاني إسرائيل فعلاً من نقص في الأطباء”.

وأوضحت عماتي أن “نسبة الأطباء إلى السكان في إسرائيل أقل بنحو 10% من المتوسط في الدول المتقدمة، رغم زيادة عدد الأطباء الممارسين خلال العقد الماضي، ويعود هذا النقص بشكل رئيسي إلى أن النمو السكاني يفوق معدل تدريب الأطباء، وإلى شيخوخة المهنة، ففي عام 2020، كان ربع الحاصلين على تراخيص مزاولة الطب في إسرائيل تقريبًا فوق سن 67 عامًا، ونحو نصف الأطباء المرخصين كانوا في سن 55 عامًا أو أكبر”.

 

وأكدت أن “النقص المحتمل في الكوادر الطبية أقل مما هو في الواقع، أي أن هناك أطباء شاغرين، ولكن لا توجد وظائف معتمدة كافية معايير تسمح بتوظيفهم، ويعود ذلك إلى أن النظام الطبي يعاني من تدهور مستمر في معايير الأطباء في المستشفيات الحكومية، وهي معايير لم تُحدَّث منذ ثمانينيات القرن الماضي، أي منذ أكثر من أربعة عقود”.

 

وأضافت أن “المختصين يؤكدون عدم وجود رقابة حكومية على هذه المعايير: فوزارتا الصحة والمالية تديران أهم مورد بشري طبي دون آلية قياس منهجية، كما لا يتوزع نقص الأطباء بالتساوي بين مناطق الدولة، حيث توجد فجوات كبيرة في أعداد الأطباء، حيث تتصدر منطقة تل أبيب القائمة بفائض كبير في عدد الأطباء مقارنةً بالمتوسط الوطني، حيث بلغ عدد الأطباء العاملين فيها خمسة أطباء لكل ألف نسمة آنذاك، فيما عانت المنطقة الجنوبية من أشد نقص، إذ لم يتجاوز عدد الأطباء فيها طبيبين لكل ألف نسمة خلال الفترة نفسها”.

 

وأوضحت عماتي أن “المنطقتين الشمالية والقدس شهدتا نقصًا حادًا في أعداد الأطباء، وقد نصّ إصلاحٌ مُستقرٌ دخل حيز التنفيذ هذا العام على أن طلاب الطب الذين درسوا في الخارج في جامعات معترف بها من قِبل وزارة الصحة الإسرائيلية هم فقط المؤهلون لخوض امتحان الترخيص الطبي في إسرائيل، ثم إكمال فترة تدريب والحصول على ترخيص لممارسة الطب، للحفاظ على مستوى كافٍ من الأطباء”.

 

وأشارت إلى أن “تقرير بنك إسرائيل، الذي صدر عام 2025، درس الأثر المتوقع لهذا الإصلاح، وخلص إلى أنه من المتوقع أن يُقلل عدد التراخيص الطبية الجديدة بمقدار 400 إلى 600 ترخيص سنويًا، ويشير البنك إلى نقطة أخرى، حيث يأتي الأطباء من المناطق الشمالية والجنوبية بنسبة أعلى تحديدًا من المؤسسات التي ستُسحب منها التراخيص، لذا فإن الأثر السلبي للإصلاح “سيُلاحظ بشكل خاص في المناطق النائية”.

 

ومضت قائلة، إنه “بعبارة أخرى، قد تُقلل سياسة تهدف لتحسين جودة التدريب من توافر الخدمات الطبية في المناطق التي تعاني أصلًا من نقصها، مما يعني أن هناك هجرة جماعية للأطباء إلى الخارج، وفقا لما كشفته دراسة أجرتها جامعة تل أبيب بقيادة البروفيسور إيتاي آتر، عن اتجاه واضح لزيادة صافي هجرة الأطباء، وبعد عقد من الاستقرار النسبي، قفز عدد الأطباء المغادرين في 2023، مباشرة بعد أداء الحكومة الحالية اليمين الدستورية، واستمر في الارتفاع عام 2024”.

وأكدت أنه “في ذلك العام، بلغ ذروة الأطباء المغادرين بـ328 طبيبًا، ما يقرب من 2.5 ضعف عددهم في عام 2022، ويعزى ذلك إلى حد كبير إلى الأزمة السياسية التي أحاطت بالانقلاب القانوني، وهي الفترة التي خرج خلالها العديد من الأطباء للاحتجاج على التشريعات الحكومية، بعبارة أخرى، لا تُعد هذه الهجرة مجرد رد فعل على الحرب الدائرة، بل هي عملية بدأت بأزمة ثقة داخلية في الحكومة”.

 

وبينت أن “هناك بيانات تثير القلق لأن 20% من الأطباء الذين غادروا في السنوات الأخيرة تبلغ أعمارهم 45 عامًا أو أكثر، مقارنةً بـ14% فقط في العقد السابق، هؤلاء أطباء كبار في منتصف مسيرتهم المهنية، يسافرون بشكل أقل للتدريب وأكثر بسبب عروض العمل وقرار مبدئي بالرحيل، كما أن ربع الأطباء الشباب فكروا بالمغادرة”.

 

وحول رد فعل الحكومة على النقص في عدد الأطباء، أكد ان “عدد المقاعد في كليات الطب سيرتفع إلى 1228 مقعدًا في 2024، مع هدف الوصول إلى 1700 مقعد بحلول 2027، وتم افتتاح كليات طبية جديدة في جامعتي أريئيل ورايخمان، وقُدّمت قروض للإسرائيليين الذين يدرسون الطب في الخارج، ومن المتوقع أن تُخفف هذه الإجراءات بشكل كبير من تأثير الإصلاح المستقر الذي يُتوقع أن يُقلل من عدد الأطباء، لكن هذه الإجراءات غير كافية على الإطلاق”.

 

وأكدت أن “نقص الأطباء يؤثر على الإسرائيليين، ويتجلى بفترات الانتظار الطويلة، حيث ينتظر سكان المنطقة الجنوبية 20 يومًا في المتوسط لرؤية الطبيب، مقارنةً بـ 5.7 أيام فقط في المتوسط في تل أبيب، ويتسع هذا الفارق في فترات انتظار الأطباء المتخصصين، لاسيما في التخصصات الدقيقة: فموعد طبيب الروماتيزم يستغرق من 53 إلى 71 يومًا، وطبيب الغدد الصماء من 47 إلى 53 يومًا، وجراحة الثدي في صندوق التأمين الصحي أكثر من 90 يومًا، أما موعد طبيب العظام أو الأنف والأذن والحنجرة فيستغرق من 13 إلى 21 يومًا”.

 

رغم الصورة الظاهرية التي تظهر دولة الاحتلال بأنها متقدمة أسوة بالمنظومة الغربية، لكن مثل هذه المعطيات كفيلة بتبديد هذه الصورة، وكشف زيفها، بدليل أن العديد من مؤشرات المعيشة آخذة في التراجع بين الإسرائيليين مقارنة بالعديد من الدول الأوروبية والغربية.

شاركها.