مع تراجع قوافل المساعدات الإنسانية والإغاثية الإقليمية والدولية، واستمرار القيود المفروضة على دخول الغذاء والدواء والوقود إلى قطاع غزة، ظل حضور اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC) ملحوظًا في الميدان الإنساني؛ من خلال دعم الخدمات الصحية، والمساهمة في توفير الغذاء والمياه، ورعاية عدد من المطابخ المجتمعية «التكايا»، ومساندة المرافق الحيوية، إلى جانب متابعة شؤون الأسرى والمفقودين، والعمل على إعادة الروابط بين العائلات التي فرّقتها الحرب والنزوح والاعتقال.
تعود نشأة اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى عام 1859، حين شهد السويسري هنري دونان مآسي جرحى معركة سولفرينو، فدعا إلى إنشاء هيئة إنسانية محايدة لإغاثة ضحايا الحروب. وتأسست اللجنة في جنيف عام 1863، ثم جاءت اتفاقية جنيف الأولى عام 1864 لتضع الأساس القانوني لحماية الجرحى وضحايا النزاعات المسلحة.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إحدى أبرز المؤسسات الإنسانية في العالم، تعمل وفق مبادئ الحياد والاستقلال وعدم التحيز، وتسعى إلى حماية المدنيين والأسرى والمعتقلين والمفقودين، وتقديم العون للمتضررين من الحروب والنزاعات المسلحة.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور الذي اضطلعت به سويسرا في احتضان هذه الرسالة الإنسانية ورعايتها؛ فهي الدولة التي انطلقت منها فكرة الصليب الأحمر، ومنها تطورت قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف. كما واصلت الحكومة السويسرية دعمها المالي والسياسي للجهود الإنسانية الدولية، وحافظت على تقاليد الحياد والوساطة وحماية ضحايا الحروب. وقد أسهم هذا الاحتضان السويسري في تمكين اللجنة من أداء رسالتها في مناطق الصراع، ومنها الأراضي الفلسطينية وقطاع غزة.
وتعود علاقتي المبكرة باللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى بداية عملي في الحكومة الفلسطينية عام 2006، حين كُلّفت بالتواصل معها بشأن عدد من الملفات، وفي مقدمتها قضايا الأسرى والمعتقلين، إلى جانب تسهيل تحركات طواقمها ومتابعة أنشطتها داخل قطاع غزة. وكان ذلك التواصل يجري في ظروف سياسية وأمنية بالغة التعقيد، تطلّبت قدرًا كبيرًا من المسؤولية والتعاون، لضمان استمرار أداء اللجنة لمهماتها الإنسانية.
وخلال تلك السنوات، تشرفت بالعمل والتواصل مع معظم الطواقم التي تعاقبت على العمل في اللجنة الدولية، قبل تقاعدي من العمل الحكومي وبعده. وكان أكثر ما يلفت نظري في أدائها ذلك الانضباط المهني، والالتزام بمبادئ العمل الإنساني، والحرص على حماية كرامة المحتاجين بعيدًا عن الاستعراض أو المنّة. كما ظل الجانب الأخلاقي حاضرًا في سلوك العاملين فيها، وفي طريقة تعاملهم مع الجرحى والأسرى والنازحين وسائر ضحايا النزاع.
لقد أدت اللجنة الدولية، على امتداد حضورها في الأراضي الفلسطينية، أدوارًا مهمة في زيارة الأسرى داخل السجون، ونقل الرسائل بينهم وبين عائلاتهم، ومتابعة أوضاع المفقودين، وتسهيل عمليات تسليم المحتجزين، ونقل الجرحى والمرضى، ودعم المستشفيات وسيارات الإسعاف والمنشآت الطبية. ومع اتساع رقعة الحرب في قطاع غزة، أصبحت هذه المهمات أكثر تعقيدًا وخطورة، في ظل انهيار قطاعات واسعة من المنظومة الصحية، ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، وتعرض المستشفيات وسيارات الإسعاف والطواقم الطبية للاستهداف.
وفي أثناء حرب الإبادة، برزت الحاجة إلى كل جهد إنساني قادر على تخفيف معاناة الناس. وقد ساهمت اللجنة في دعم القطاع الصحي، وإمداد بعض المرافق بالمستلزمات الضرورية، وتقديم المساعدة للنازحين، إلى جانب دعم المطابخ المجتمعية التي أصبحت مصدرًا أساسيًا للطعام بالنسبة إلى آلاف العائلات التي فقدت بيوتها ومصادر رزقها.
وفي هذا الإطار، كانت لنا لقاءات متكررة مع طواقم اللجنة الدولية خلال زياراتهم إلى «تكية الخالدين» في مخيم منتزه النخيل بمنطقة مواصي خان يونس. ولم تكن تلك اللقاءات ضمن جولات تفقدية مشتركة، بل كانت تتم أثناء حضورهم إلى التكية والاطلاع المباشر على طبيعة عملها وحجم الاحتياجات الإنسانية للنازحين الذين تخدمهم.
وخلال زيارة السيد توماس فوستر، لمسنا تعاطفًا إنسانيًا واضحًا وتفهّمًا عميقًا لاحتياجات التكية، ولا سيما حاجتها إلى مزيد من الدعم لتوسيع قدرتها على توفير الوجبات للعائلات النازحة. وقد عكست الزيارة حرصًا على الاستماع إلى العاملين والمتطوعين، والاقتراب من معاناة الناس، والحفاظ على كرامتهم وهم يتلقون المساعدة.
إننا، ونحن نشيد بهذا الجهد، ندرك أن حجم الكارثة في قطاع غزة يفوق قدرات المؤسسات الإنسانية مجتمعة، وأن العمل الإغاثي، على أهميته، لا يمكن أن يكون بديلًا من وقف الحرب ورفع الحصار وفتح المعابر بصورة دائمة وآمنة. كما أن مبدأ الحياد لا يعني الصمت أمام استهداف المدنيين أو تعطيل وصول الغذاء والدواء، بل يقتضي الدفاع عن قواعد القانون الدولي الإنساني، ومطالبة أطراف النزاع باحترامها من دون انتقائية.
ستظل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بما تحمله من تاريخ وخبرة وحضور ميداني، عنوانًا مهمًا في مشهدية العمل الإنساني والإغاثي. وسيبقى تقديرنا موصولًا لطواقمها التي تعمل في ظروف شديدة الخطورة، ولكل من يدعم رسالتها، وفي مقدمتهم سويسرا؛ الدولة التي احتضنت هذه الفكرة الإنسانية وأسهمت في استمرارها، حتى غدا الصليب الأحمر أيقونة عطاء وأمل في أحلك أزمنة الحروب والمآسي.
