سمعنا ورددنا طويلًا أن فلسطين أكبر من الأشخاص. وقد بدت هذه العبارة بديهية إلى درجة أننا لم نعد نتوقف أمامها أو نسأل إن كانت الممارسة السياسية الفلسطينية تؤكدها فعلًا. لكن التجربة أكبر من الشعارات، فهي التي تمنح العبارات معناها. وحين نضع هذه المقولة أمام ما آلت إليه الحالة الفلسطينية، يصبح السؤال مشروعًا: هل بقيت فلسطين فعلًا أكبر من الأشخاص، أم أننا بنينا، عبر سنوات طويلة، نظامًا سياسيًا أصبحت فيه المواقع والأسماء والحسابات الشخصية أقوى من المؤسسات نفسها؟
لو كانت فلسطين أكبر من الأشخاص في الممارسة، لكان تغيير المسؤول أمرًا طبيعيًا، وتجديد القيادة قاعدة لا أزمة، والانتخابات استحقاقًا دوريًا لا حدثًا استثنائيًا، والمؤسسة أبقى من رئيسها، والتنظيم أكبر من أمينه العام، والمصلحة الوطنية أعلى من حسابات الفصيل وقياداته. لكن جزءًا كبيرًا من التجربة الفلسطينية سار في الاتجاه المعاكس. حيث تراجعت المؤسسات أمام الأشخاص، وضعفت قواعد المساءلة والتداول، وطالت أعمار القيادات في مواقعها، وأصبحت عملية التجديد داخل كثير من الأطر السياسية أكثر صعوبة. ومع الزمن، لم تعد المشكلة تتعلق بمن يشغل المنصب فقط، بل بثقافة سياسية باتت تربط المؤسسة بالشخص إلى درجة يصبح معها تغيير الشخص وكأنه تهديد للمؤسسة ذاتها.
وهنا تبدأ المفارقة الفلسطينية المؤلمة: نقول إن الأشخاص يذهبون وتبقى فلسطين، لكننا نتصرف أحيانًا كما لو أن بقاء الأشخاص شرط لبقاء فلسطين. ولا تقتصر هذه الظاهرة على مؤسسة أو فصيل واحد. فهي، بدرجات وأشكال مختلفة، جزء من أزمة أوسع في النظام السياسي الفلسطيني وفي بنية الفصائل نفسها. فحين يغيب التداول المنتظم، وتتراجع المساءلة، وتضيق مساحات الاختلاف الداخلي، وتتحول المواقع القيادية إلى مواقع شديدة الاستمرارية، تصبح السياسة أقل قدرة على إنتاج البدائل. بل الأخطر أن الشخصنة لا تبقى داخل حدود التنظيم أو المؤسسة؛ بل تنتقل تدريجيًا إلى القرار الوطني نفسه. فبدل أن تكون المؤسسات هي التي تضبط الأشخاص، يصبح الأشخاص هم الذين يحددون حدود المؤسسات وأدوارها. وبدل أن تكون القواعد هي التي تقرر متى يأتي المسؤول ومتى يغادر، تصبح الإرادة السياسية للأفراد جزءًا أساسيًا من تحديد تلك القواعد أو تعطيلها أو تأجيلها.
وهكذا لا يعود السؤال: من هو الشخص المناسب للقيادة؟ بل: لماذا يحتاج النظام أصلًا إلى أشخاص لا يستطيع العمل من دونهم؟ فالدولة التي تقوم على مؤسسات متينة لا تُقاس بقوة قادتها فقط، بل بقدرتها على الاستمرار بعد رحيلهم. والمؤسسة الناجحة ليست التي يحكمها شخص قوي، وإنما التي لا تنهار بتغييره. والحركة السياسية الحية ليست التي تحافظ على قياداتها أطول فترة ممكنة، وإنما التي تستطيع باستمرار إنتاج قيادات جديدة.
لذلك، ومن هذه الزاوية يمكن قراءة جانب مهم من أزمة التجديد الفلسطينية. لدينا مجتمع شاب، متعلم، واسع الانتشار، يمتلك خبرات أكاديمية واقتصادية وسياسية ومهنية كبيرة في الداخل والشتات، ومع ذلك تبدو المسافة بين المجتمع وبين دوائر صناعة القرار واسعة. وكأن النظام السياسي قادر على إعادة إنتاج الأسماء أكثر من قدرته على إنتاج القيادات الجديدة. وهنا أعيد التاكيد، أن المشكلة ليست في عمر شخص، ولا في جيل بعينه. فالعمر لا يصنع الكفاءة ولا ينفيها. المشكلة في غياب الآلية التي تسمح للمجتمع بأن يختار ويحاسب ويغيّر ويجدد.
والانقسام الفلسطيني يقدم المثال الأكثر قسوة على النتائج التي يمكن أن يصل إليها النظام عندما تصبح حسابات القوى والقيادات أقوى من قدرة المؤسسات الوطنية على فرض الوحدة السياسية. فمنذ عام 2007 عاش الفلسطينيون واقعًا سياسيًا وإداريًا منقسمًا بين الضفة الغربية وقطاع غزة، واستمرت محاولات المصالحة من دون أن تنتج طوال سنوات إطارًا سياسيًا موحدًا ومستدامًا.ولذلك فإن اختزال الانقسام في خلاف أيديولوجي بين فتح وحماس لا يكفي لفهمه. فقد أصبح الانقسام أيضًا شبكة من المؤسسات والمصالح ومراكز النفوذ والحسابات السياسية التي جعلت إنهاءه أكثر تعقيدًا من مجرد توقيع اتفاق جديد. هنا تحديدًا يصبح السؤال عن الأشخاص سؤالًا عن بنية النظام نفسه. لأن النظام الذي يستطيع شخص أو مجموعة محدودة من الأشخاص تعطيل تجديده، أو إطالة أزماته، أو التحكم في مؤسساته، هو نظام لم ينجح بعد في جعل فلسطين أكبر من الأشخاص.
والمفارقة أن الشعب الفلسطيني دفع أثمانًا هائلة من أجل حقه في تقرير مصيره، لكنه لم يمتلك بصورة منتظمة الآلية الديمقراطية التي يقرر بها من يدير شؤونه السياسية. فقد شهدت الانتخابات العامة الفلسطينية انقطاعًا طويلًا؛ أُجريت الانتخابات الرئاسية الأخيرة عام 2005 والتشريعية عام 2006، قبل أن يُعاد فتح مسار الانتخابات التشريعية المقررة والمتوقع إجرائها في نوفمبر عام 2026.
هذا الانقطاع لم يكن مجرد مشكلة إجرائية، بل ترك أثرًا أعمق: أضعف مبدأ التداول، وقلل فرص ظهور قيادات جديدة، وعمّق الفجوة بين المجتمع ومؤسساته السياسية.
وقد يخرج علينا من يقول إن مشكلتنا لا تتعلق باإدارة الداخلية، وإنما أننا نعمل داخل بيئة شديدة التعقيد: احتلال يفرض قيودًا مباشرة على الأرض والحركة والمؤسسات والاقتصاد، وانقسام داخلي ممتد، وحروب متكررة، وتدخلات إقليمية ودولية. وهذه عوامل لا يمكن إخراجها من تفسير أزمة النظام السياسي. غير أن وجود الاحتلال لا يلغي مسؤوليتنا عن الطريقة التي ندير بها ما يقع تحت قدرتنا وإرادتنا. بل ربما يجعل بناء المؤسسات أكثر ضرورة، لأن الشعب الذي يواجه مشروعًا أقوى منه يحتاج مؤسسات أقوى، لا لأشخاص أقوى.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة. المشكلة ليست أن الفلسطينيين يفتقرون إلى الشعارات الوطنية. لدينا فائض منها. المشكلة هي المسافة بين الشعار والمؤسسة. نقول إن فلسطين أكبر من فتح وحماس، ثم تستمر المصالحة أسيرة حساباتهما. نقول إن فلسطين أكبر من القيادة، ثم يصبح تغيير القيادة مسألة شديدة التعقيد.نقول إن المؤسسة أكبر من الشخص، ثم تضعف المؤسسة حين يغيب الشخص أو يختلف معه الآخرون. ونقول إن الشعب مصدر الشرعية، ثم يظل الشعب سنوات طويلة بعيدًا عن صندوق الاقتراع في الانتخابات العامة. لذلك ربما آن الأوان ألا نكرر عبارة فلسطين أكبر من الأشخاص بوصفها حقيقة مكتملة، وإنما أن نتعامل معها بوصفها مهمة سياسية لم ننجزها بعد. فلسطين لن تصبح أكبر من الأشخاص لأننا نقول ذلك.
تصبح كذلك عندما يكون القانون أكبر من المسؤول، والمؤسسة أبقى من قائدها، والانتخابات أقوى من التعيين، والمساءلة أقوى من الولاء، والكفاءة أقوى من المحاباة، والتنظيم قادرًا على تغيير قيادته، والنظام السياسي قادرًا على إنتاج بدائل من دون أن يخشى انهياره. عندها فقط يصبح تغيير الأشخاص أمرًا طبيعيًا لا زلزالًا سياسيًا. وعندها فقط نستطيع أن نقول، بالتجربة والبرهان والسلوك لا بالشعار: نعم، فلسطين أكبر من الأشخاص. أما قبل ذلك، فربما تكون الحقيقة الأكثر إزعاجًا هي أننا ظللنا نقول إن فلسطين أكبر من الأشخاص، بينما بنينا واقعًا سياسيًا سمح للأشخاص بأن يصبحوا أكبر من مؤسساتها. ولا تنسوا: قائد بحجم وطن… ثم نبكي حالنا.
