لو تمكن مساعد الطيار في الطائرة الإماراتية التي هبطت في مطار تبوك السعودي وهي تحمل أكثر من مائة وخمسين إسرائيلياً من السيطرة عليها وإكمال الرحلة نحو إسرائيل وضربها بأحد أبراج تل أبيب مثلاً ستكون إسرائيل تلقت هدية تحتاجها حالياً، فقد انتهى تقريبا تأثير الهولوكوست الذي وفر قوة دفع لعقود طويلة مع تغير الأجيال في أوروبا والتهمت الإبادة الجماعية التي ارتكبتها في غزة بسرعة صورة الضحية التي نتجت بعد السابع من أكتوبر لتصبح بحاجة لصورة الضحية من جديد لتجديد الرخصة الدولية لدفع قاطرة الاحتلال ومشاريعه الإستراتيجية، التي لم تنجح حتى اللحظة بتهجير غزة وضم الضفة وإسدال الستار على القضية الفلسطينية مرة وللأبد.
كانت إسرائيل بحاجة إلى 11 أيلول جديد، وإذا كان هذا الذي جرى قبل ربع قرن أتاح للولايات المتحدة إطلاق يدها واستخدام قوتها لاحتلال أفغانستان وبعده العراق وتحقيق مزيد من السيطرة على منابع الغاز والنفط وممراتها، فإسرائيل بحاجة لقوة دفع جديدة لمشاريعها بعد خطاب رئيس وزرائها العاري في الأمم المتحدة وخروج الوفود من القاعة وحديثه للمقاعد الفارغة كان التجسيد الأبرز لمكانة إسرائيل الدولية ورئيس وزرائها.
كان نتنياهو في نيويورك لكنه لم ينم فيها، فلا برامج سوى خطابه الأكثر وقاحة ولم يلتقه أحد لا الرئيس ترامب الذي حطم رقماً قياسياً حين استقبله سبع مرات في عام واحد قبل أن يكتشف أنه ورَّطه في القصة الإيرانية ووضع مستقبله على المحك، وها هي استطلاعات الانتخابات الأميركية تكشف حجم تكلفة صداقته لنتنياهو والثقة فيه وكذلك لم يلتقه صديقه ستيف ويتكوف ولا «تلميذه» جاريد كوشنير وحتى اللقاء اليتيم مع الملياردير أيلون ماسك لم يتم ليعود حتى بلا خفي حنين.
أما أوروبا فباتت تضع حواجز ومسافات بينها وبين إسرائيل التي تظهر نواياها العدوانية التوسعية وثقافة الترانسفير العنصرية، وبات وزير خارجية بريطانيا يقف في المؤتمر السنوي لحزبه مهاجماً إسرائيل كدولة تمارس الإبادة والتطهير العرقي، أما هولندا فتقترح عقوبات تصل حد السجن لأي معاملة مع المستوطنات.
فالاتحاد الأوروبي بات يتخذ إجراءات وإن لم تكن بمستوى ما ارتكبته إسرائيل من فظائع لكنه جاء محمولاً على مناخات باتت تشهر نبذ إسرائيل وتعيد تدويرها لتصنع مناخات عزلها.
بالنسبة لإسرائيل، وتلك ليست بشارة للفلسطينيين، فإنه ولمجرد تغيير الحكومة أو سقوط الثلاثي نتنياهو سموتريتش بن غفير واستبدالهم بطاقم أقل تطرفاً على نمط آيزنكوت ووزير خارجية مثل العلماني يائير لابيد واليساري يائير غولان وزيراً للدفاع كفيل بغسيل إسرائيل بالنسبة للعالم، والذي سيتلقف غياب نتنياهو كما تلقفه عام 99 عندما فاز إيهود باراك برئاسة الحكومة وسيفتح العالم أبوابه من جديد.
لكن هذا ليس مناسباً لبنيامين نتنياهو الذي سيقاتل منافسيه حتى آخر طلقة في جعبته كي لا يسقط أو كي يمنعهم من تشكيل حكومة، وهنا تأتي محاولاته فرض أجندة الأمن والتحكم بالنقاش العام وجر الخصوم الذين يظهرون كمبتدئين إلى المربع الذي يريد وسط الدعاية الانتخابية، هذا بالرغم من وجود صحافي محترف بينهم هو لابيد مقدم برنامج في القناة الأولى قبل أن ينتقل للقناتين الثانية والثالثة وكان يكتب مقالاً أسبوعياً في جريدة يديعوت أحرونوت أي أن لديه خبرة هائلة في مخاطبة الرأي العام، لكن نتنياهو بدهائه يجر الجميع وإن لن تفلح محاولاته بما تبقى من وقت لتغيير الرأي العام هذا عدا عما ينتظره من ألغام أغلب الظن أنها ستنفجر في وجهه، فالدولة العميقة ستفعل كل شيء لإسقاطه وأغلب الظن أنه لن ينجح هذه المرة.
هنا كانت الطائرة وسقوطها وصناعة أيلول جديد يطلق يدها التي بدت مقيدة في الأشهر الأخيرة.
صحيح أن إسرائيل تفعل ما تشاء وتحاول تنفيذ مشاريعها لكنّ هناك قيوداً إذ باتت تحت الرقابة خصوصاً في الضفة الغربية حيث الإدارة الأميركية ونواب الكونغرس يطالبون بالتحقيق فيما يحدث هناك ويقوم هاكابي اليميني الذي يلغي تسمية الضفة لصالح يهودا «والسامرة» بإدانة سلوك المستوطنين وزيارة قرى يتم استهدافها، وينتقل الاتحاد الأوروبي من الانتقادات النظرية نحو الإجراءات العملية.
لذا كانت الطائرة التي كادت تصنع ضربة كبيرة مهمة ليتقاطر زعماء العالم طوابير  للتضامن والتعاطف ومسح آثام آسرائيل وخطاياها وربما يطلب بعضهم المغفرة، كما كتب ساخراً الصحافي الشجاع جدعون ليفي، عن مواقف أخذتها دولته ضد إسرائيل والتعهد بعدم تكرارها.
لكن نتنياهو الداهية لم يفوت استغلال اللحظة والتصرف دعائياً بما يخدم حملته الانتخابية.
وفي السياق حاول فرض الأمر الواقع تطبيعاً على السعودية، والتي كانت تتخذ نفس الموقف دون أن تتأثر بكل الدراما التي تمت في سمائها وعلى أرضها في المطار فالتطبيع لا يفرض عليها بالاحتيال ولا بالاستغلال، فلو تمكن من الاحتيال تطبيعاً لاعتبره اختراقاً كبيراً كان يساعده في الترويج لقدراته في الملف الأهم أو السمكة الكبيرة كما يصفها بعض الكتاب في إسرائيل، لذا بات البحث عن قصة كبيرة أحد أبرز السيناريوهات القائمة وهو ما تشي به الحركة الكبيرة في الإقليم.
فإسرائيل قد تسلمت 40000 قنبلة خارقة للتحصينات قبل الاجتماع الإقليمي الكبير وتلك ليست مصادفات.

شاركها.