ثمة لحظات في السياسة يكون فيها غياب الحدث هو الحدث الأهم. لا تسوية تلوح في الأفق، ولا تحول كبير يعيد رسم المشهد، ولا مبادرة فلسطينية قادرة على فرض إيقاع مختلف. تبدو المنطقة وكأنها دخلت في حالة من الاستاتيكو السياسي؛ الجميع يراقب الجميع، والجميع ينتظر شيئًا سيأتي لاحقًا. إسرائيل تنتظر انتخاباتها، وواشنطن تتجه إلى انتخاباتها النصفية، والفلسطينيون بدورهم أمام انتخابات تشريعية مرتقبة. وبين انتخابات وأخرى، يكاد الخطاب السياسي كله يتحول إلى كلمة واحدة: انتظروا. انتظروا ما ستفرزه الانتخابات الإسرائيلية. انتظروا ما ستقوله صناديق الاقتراع الأمريكية. انتظروا ما ستنتجه الانتخابات الفلسطينية إذا ما قُدّر لها أن تتم. لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح:ماذا لو استيقظنا بعد كل هذه المواعيد لنجد أن أسماء تغيرت، وائتلافات تبدلت، ومقاعد انتقلت من حزب إلى آخر، بينما بقي السؤال الفلسطيني في المكان ذاته؟

هنا تحديدًا تكمن خطورة اللحظة الراهنة. فالزمن في السياسة ليس مساحة فارغة بين حدثين. الزمن نفسه أداة من أدوات القوة. هناك من ينتظر وهو عاجز عن الحركة، وهناك من يجعل الآخرين ينتظرون بينما يستخدم هو الوقت لتغيير الوقائع. وهذه ربما إحدى أكثر المفارقات قسوة في المشهد الفلسطيني الراهن.

قد تكون إسرائيل منشغلة بانتخاباتها، وقد يكون مجتمعها منقسمًا حول قيادته ومستقبل حكومته، لكن ذلك لا يعني أن هذه الدولة وضعت سياساتها في حالة انتظار. فالانتخابات ستحدد من يحكم إسرائيل، لكنها لا تعني بالضرورة أن الأسئلة الأساسية التي تواجه الفلسطينيين ستختفي في اليوم التالي للانتخابات. وهنا يقع الخطأ حين يتحول انتظار التغيير داخل إسرائيل إلى بديل عن امتلاك استراتيجية فلسطينية للتعامل مع إسرائيل، أياً كان من يحكمها. فالمشكلة إذن ليست في متابعة الانتخابات الإسرائيلية أو محاولة فهم نتائجها المحتملة؛ فهذا أمر طبيعي وضروري، إنما المشكلة تبدأ عندما يصبح التغيير داخل إسرائيل شرطًا مسبقًا لعودة السياسة الفلسطينية إلى الحركة.  والأمر ذاته ينطبق على الولايات المتحدة. فمن الطبيعي أن تكون الانتخابات النصفية الأمريكية مهمة، وأن تؤثر تركيبة الكونغرس في قدرة الإدارة على تمرير سياساتها وفي طبيعة النقاش الأمريكي حول الشرق الأوسط. لكن القضية الفلسطينية عاشت عقودًا وهي تنتظر الإدارات الأمريكية: رئيسًا يأتي، ورئيسًا يرحل، وكونغرسًا يتغير، ووعودًا تبدأ ثم تنتهي. وفي كل مرة كان هناك أمل بأن تنتج اللحظة الأمريكية الجديدة فرصة مختلفة.

لكن السؤال الذي أصبح من الضروري طرحه هو: إلى أي حد يمكن لقضية وطنية أن تبني استراتيجيتها على انتظار التحولات السياسية لدى الآخرين؟ وهنا لا أقول أن المطلوب تجاهل واشنطن، فهذا غير واقعي، ولا تجاهل إسرائيل، فهذا مستحيل. المطلوب شيء آخر تمامًا: هو أن يكون للفلسطيني زمنه السياسي الخاص.

وهذا يستدعي السؤال الأصعب: أين الزمن الفلسطيني؟ وهنا نصل إلى الانتخابات الفلسطينية. ربما تكون هذه الانتخابات أهم من مجرد تنافس على مقاعد مجلس تشريعي. وربما يكون السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن تجيب عنه ليس فقط: من يفوز؟ بل: هل تستطيع الانتخابات أن تعيد إنتاج السياسة الفلسطينية نفسها؟ بصراحة وبصراحة، فإن التجربة، وطبيعة المشهد السياسي، ونوعية القوائم التي أعلنت خوضها الانتخابات، لا تدفعني فقط إلى الشك في ذلك، بل تجعلني أخشى أن نكون أمام إعادة إنتاج للمشهد نفسه بأسماء وترتيبات مختلفة.

فبعد سنوات طويلة من الانقسام، والحرب، والدمار، وتراجع المؤسسات، وتآكل الثقة، لم يعد كافيًا أن ينتخب الفلسطينيون أشخاصًا أو قوائم جديدة. وإنما المطلوب إنتاج فكرة فلسطينية جديدة عن المرحلة المقبلة.ماذا يريد الفلسطينيون بعد كل ما حدث؟ ما شكل النظام السياسي الذي يحتاجونه؟ كيف تُعاد العلاقة بين غزة والضفة؟ ما موقع منظمة التحرير؟ ما حدود المقاومة وما حدود التفاوض؟ كيف يمكن إعادة بناء العلاقة مع العالم؟ وكيف ينتقل الفلسطيني من الدفاع المستمر عن وجوده إلى محاولة التأثير في البيئة التي تحدد مستقبله؟

هذه الأسئلة أكبر من صندوق الاقتراع، لكنها هي التي تمنح الصندوق معناه. أما إذا جرت الانتخابات وأعادت إنتاج الأدوات والخطابات والعلاقات ذاتها، فإننا سنكون قد غيرنا الأشخاص دون أن نغير الزمن السياسي الفلسطيني. ربما لهذا يبدو المشهد اليوم ساكنًا إلى هذا الحد. لكن المشكلة أن السكون في الصراعات الطويلة قد يكون خادعًا.فحين لا يتحرك أحد، لا يعني ذلك أن التاريخ توقف. هناك ديموغرافيا تتغير. هناك جغرافيا تتغير. هناك موازين قوة تتغير. هناك تحالفات إقليمية تتشكل. هناك أولويات دولية تظهر وأخرى تتراجع. وهناك أجيال فلسطينية وإسرائيلية جديدة تتكون رؤيتها للصراع بطريقة مختلفة عن الأجيال التي سبقتها.

أي أن ما نسميه الاستاتيكو ليس في الحقيقة استاتيكو. إنه تغيير بطيء يجري بينما ننتظر الحدث الكبير. وهذا ربما أخطر أنواع التغيير، لأننا لا نراه إلا بعد أن يصبح واقعًا. لطالما قيل إن الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي هو صراع على الأرض. وهو كذلك بالتأكيد. لكنه أيضًا صراع على الزمن. إسرائيل تمتلك قدرة أكبر على تحويل الزمن إلى وقائع سياسية وميدانية ومؤسساتية. أما الفلسطيني فقد أصبح، في مراحل كثيرة، يستهلك الزمن في انتظار فرصة: مبادرة دولية، إدارة أمريكية مختلفة، حكومة إسرائيلية مختلفة، مصالحة داخلية، مؤتمر دولي، أو تغير إقليمي.

وهنا يصبح السؤال ما الحل أو ماذا نفعل إذا لم يحدث شيء؟ ماذا لو لم تأت الانتخابات الإسرائيلية بالحكومة التي يتخيل البعض أنها قد تكون أكثر استعدادًا للتسوية؟ ماذا لو مرت الانتخابات الأمريكية دون تحول جوهري في الموقف من القضية الفلسطينية؟ وماذا لو أجريت الانتخابات الفلسطينية، ثم اكتشفنا أن الانتخابات وحدها لا تنتج استراتيجية؟ هل ننتظر محطة أخرى؟ ثم أخرى؟ ثم أخرى؟ المشكلة أن الفلسطيني لم يعد يملك ترف انتظار محطة أخرى.

.

هناك فرق هائل بين أن تقرأ تحولات الآخرين وأن تجعل مستقبلك مرهونًا بها. الأولى سياسة. والثانية انتظار. وربما تكون المعضلة الفلسطينية اليوم أننا أصبحنا بارعين في قراءة ما يفعله الآخرون: ماذا يريد الإسرائيليون، ماذا تريد واشنطن، ماذا تريد الدول العربية، ماذا يريد الأوروبيون، وماذا يريد المجتمع الدولي. لكننا أصبحنا أقل قدرة على الإجابة عن السؤال الأبسط والأصعب في آن واحد: ماذا نريد نحن الفلسطينيين؟ وكيف نصل إليه؟ وهذا ليس سؤالًا شعاريًا. إنه سؤال عن القدرة، والأدوات، والتحالفات، والمؤسسات، والشرعية، وترتيب الأولويات، وما يمكن تحقيقه وما لا يمكن تحقيقه. أي أنه سؤال عن السياسة نفسها.

ربما لهذا ينبغي ألا نخشى هذه المرحلة الهادئة ظاهريًا بقدر ما ينبغي أن نخشى أن تمر من دون أن نستفيد منها. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للفلسطينيين ليس أن تأتي الانتخابات الإسرائيلية بنتيجة لا يريدونها، ولا أن تأتي الانتخابات الأمريكية بنتيجة لا تغير كثيرًا من السياسات. الأخطر أن يصل الفلسطينيون إلى نهاية هذه السنة وهم لا يزالون ينتظرون السؤال نفسه: ماذا سيفعل الآخرون بنا؟ بدلًا من السؤال الذي كان ينبغي أن يبدأ منه كل شيء: ماذا نستطيع نحن أن نفعل بما بقي لدينا من أدوات؟

فالسياسة لا تبدأ عندما تتغير الظروف. السياسة تبدأ عندما تعرف كيف تتحرك حتى عندما لا تتغير الظروف. وربما يكون هذا هو المعنى الحقيقي للحظة التي نعيشها الآن. ليس أن التاريخ توقف. بل أن الآخرين يكتبون صفحاتهم فيه، بينما نحن ننتظر أن نعرف كيف ستنتهي فصولهم.والسؤال الذي لا يحتمل مزيدًا من التأجيل هو: متى نبدأ بكتابة فصلنا نحن؟

شاركها.