كشف بريت ماكغورك، كبير مستشاري الشرق الأوسط السابق في إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، تفاصيل جديدة عن مفاوضات إطلاق سراح الرهائن في غزة، ومسار التطبيع السعودي الإسرائيلي الذي كان، وفق روايته، قريبًا من الإعلان قبل هجوم 7 أكتوبر 2023.
وجاءت تصريحات ماكغورك خلال مقابلة مع مارغريت برينان، رئيسة تحرير برنامج Face the Nation على شبكة CBS News، عقب صدور مذكراته الجديدة «برينك: داخل سباق تحرير رهائن 7 أكتوبر»، التي يستعرض فيها تجربته كمفاوض أمريكي رئيسي في ملف الرهائن وتعامل إدارة بايدن مع الحرب في غزة.
صفقة التطبيع كانت على بُعد ساعات من 7 أكتوبر
وقال ماكغورك إن وفدًا سعوديًا برئاسة الأميرة ريما بنت بندر كان موجودًا في مكتبه صباح 6 أكتوبر 2023، فيما كان وزير الخارجية الأمريكي آنذاك أنتوني بلينكن يستعد للتوجه إلى المنطقة للمضي قدمًا في صفقة تطبيع شاملة بين السعودية وإسرائيل.
وأوضح أن الاتفاق المقترح كان يتضمن، إلى جانب التطبيع، مسارًا يتعلق بالتسوية الفلسطينية ومعاهدة نووية مدنية للسعودية.
ويرجح ماكغورك أن إفشال هذا المسار ربما كان أحد دوافع حركة حماس لتنفيذ هجوم 7 أكتوبر، لكنه شدد على أنه لم يرَ دليلًا مباشرًا يثبت أن توقيت الصفقة كان سببًا محددًا للهجوم.
لا إنذار استخباراتي أمريكي مسبق
وبحسب رواية ماكغورك، لم تكن لدى أجهزة الاستخبارات الأمريكية معلومات تحذر من هجوم وشيك بهذا الحجم، فيما رفض الجزم بصحة التقارير التي تحدثت عن تحذيرات مصرية وإماراتية مسبقة لإسرائيل.
ودعا إلى تشكيل لجنة تحقيق إسرائيلية مستقلة، على غرار لجنة التحقيق الأمريكية في هجمات 11 سبتمبر، بهدف تحديد ما كانت تعرفه الأجهزة الإسرائيلية وما الذي أخفقت في رصده.
ويرى أن الخطأ الأساسي تمثل في افتراض أن حماس «مردوعة» وغير قادرة أو راغبة في تنفيذ هجوم واسع، واصفًا ذلك بأنه «فشل في التخيل» أكثر من كونه إخفاقًا استخباراتيًا تقليديًا.
ثلاث فرص لإبرام صفقة رهائن
وفي أبرز ما ورد في روايته، يقول ماكغورك إن ثلاث صفقات متكاملة لإطلاق الرهائن كانت قريبة من التنفيذ خلال الحرب، لكنها انهارت في كل مرة بسبب خلافات وشروط جديدة.
المحاولة الأولى – نوفمبر 2023
يقول إن حماس رفضت الإفراج عن نساء إسرائيليات شابات رغم وجود اتفاق مسبق بشأن إطلاق سراحهن، مشيرًا إلى أن بعض هؤلاء الرهائن قُتلن لاحقًا في نفق تحت رفح.
المحاولة الثانية – مايو 2024
بحسب ماكغورك، وافق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو علنًا على خطة الرئيس بايدن، لكن حماس لم ترد عليها إلا بعد نحو خمسة أسابيع، وعادت بشروط جديدة.
المحاولة الثالثة – ديسمبر 2024
يقول إن حماس اشترطت الإفراج عن 12 رهينة فقط من أصل 33 كان يجري التفاوض بشأنهم، معتبرًا أن كل واحدة من هذه الجولات مثلت فرصة ضائعة كان يمكن أن تقود إلى إنهاء الحرب.
لماذا لم تقطع إدارة بايدن السلاح عن إسرائيل؟
ودافع ماكغورك عن قرار إدارة بايدن عدم وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل بصورة كاملة، رغم مقتل عمال إغاثة دوليين في غارة على موظفي المطبخ المركزي العالمي في أبريل 2024.
وكشف، بحسب روايته، أن الإدارة الأمريكية أوقفت بالفعل تسليم قنابل ثقيلة زنة 2000 رطل لإسرائيل، لكن دون الإعلان رسميًا عن الخطوة.
وبرر عدم اتخاذ إجراءات أوسع بأن الكونغرس كان قد أقر بأغلبية ساحقة حزمة مساعدات لإسرائيل بقيمة 26 مليار دولار، بالتزامن مع استعداد إيران لتنفيذ أول هجوم صاروخي مباشر واسع على إسرائيل.
خلاف داخل إدارة بايدن بشأن غزة وإيران
وكشف المسؤول الأمريكي السابق عن وجود تباين داخل إدارة بايدن بشأن كيفية التعامل مع الحرب، مشيرًا إلى أنه شعر بعدم الانسجام مع بعض المسؤولين الذين، بحسب وصفه، ركزوا على الوضع الإنساني في غزة بصورة منفصلة عن التهديد الإقليمي الأوسع.
ويرى ماكغورك أن الهجمات الإيرانية والقوى المرتبطة بها ضد القوات الأمريكية في العراق وسوريا والبحر الأحمر كانت تمثل جزءًا أساسيًا من الصورة، مشيرًا إلى مقتل ثلاثة جنود أمريكيين في 28 يناير 2024 وإصابة عشرات آخرين.
نتنياهو كان أكثر اهتمامًا بضرب إيران
ويروي ماكغورك أن اجتماعه مع نتنياهو في ديسمبر 2024 كشف عن اهتمام إسرائيلي متزايد بالملف النووي الإيراني.
ويقول إن نتنياهو كان قد وافق على شروط رئيسية في صفقة الرهائن، لكنه أبدى حماسًا أكبر للحديث عن إمكانية ضرب منشأة فوردو النووية الإيرانية.
وبحسب الرواية نفسها، كانت الإدارة الأمريكية تراقب تحركات إيران عن كثب، وحذرت طهران من الإقدام على خطوات تتعلق برفع مستوى تخصيب اليورانيوم بصورة يصعب التراجع عنها.
ماكغورك يرد على اتهامات الانحياز لإسرائيل
ورفض ماكغورك اتهامات وردت في كتاب آخر عن الفترة نفسها، اتهمته بالتعامل مع الملف باعتباره «محاميًا لإسرائيل» أو التقليل من حجم الأزمة الإنسانية والمجاعة في غزة.
ووصف هذه الاتهامات بأنها خاطئة ومختلقة، مؤكدًا أن الخلاف داخل الإدارة لم يكن حول أهمية معاناة المدنيين الفلسطينيين، وإنما حول آليات إيصال وتوزيع المساعدات داخل القطاع.
وأشار إلى أن مسؤولية الجانب الأكبر من هذه العملية كانت تقع على الأمم المتحدة، معتبرًا أن تنفيذها شهد إخفاقات كبيرة.
تنسيق نادر بين بايدن وترامب
وفي جانب آخر من شهادته، أشاد ماكغورك بما وصفه بالتعاون الكامل بين فريقي إدارتي بايدن وترامب خلال الأسابيع الأخيرة التي سبقت التوصل إلى اتفاق الرهائن في يناير 2025.
وقال إنه تواصل شخصيًا مع جاريد كوشنر عقب الانتخابات الأمريكية لتجنب حدوث فراغ في ملف الرهائن، بينما أدى المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف دورًا مهمًا في المفاوضات النهائية.
وبحسب روايته، ساهم ويتكوف في إقناع نتنياهو بقبول صيغة وسط تتعلق بعدد الأسرى الفلسطينيين الذين سيتم الإفراج عنهم وحجم المنطقة العازلة في قطاع غزة.
التطبيع السعودي الإسرائيلي.. مسار لم يمت
ويكتسب حديث ماكغورك عن صفقة التطبيع أهمية خاصة، لأنه يربط هجوم 7 أكتوبر بتحولات إقليمية كانت تتجاوز الحرب في غزة.
وبحسب رؤيته، فإن السعودية كانت تسعى إلى اتفاق شامل مع إسرائيل والولايات المتحدة يتضمن ترتيبات أمنية وسياسية واقتصادية، إلى جانب مسار للقضية الفلسطينية.
لكن المسار تعطل بعد اندلاع الحرب، فيما يشير ماكغورك إلى أن الرياض لا تزال تربط أي تقدم في العلاقات مع إسرائيل بإنهاء الحرب في غزة وبالتزام إسرائيلي واضح بمسار يؤدي إلى حل الدولتين.
الضغط على إسرائيل.. بين السرية والعلن
وتبرز في شهادة ماكغورك قناعة بأن الضغط على إسرائيل يجب أن يكون محسوبًا وفق تأثيره الفعلي على مسار الحرب والمفاوضات.
ويستشهد بما جرى خلال إدارة بايدن، حين اتخذت واشنطن بعض الإجراءات العسكرية بصورة غير معلنة، مثل وقف شحنات القنابل الثقيلة، بدل اللجوء إلى قطع شامل للمساعدات.
كما يشير إلى أن بعض القرارات الدولية التي دعت إلى وقف إطلاق النار دون ربطها بصورة مباشرة بملف الرهائن ربما ساهمت، من وجهة نظره، في تصلب موقف حماس، بينما أدى الضغط في مراحل أخرى إلى تغيير في حسابات الحركة.
انتقال السلطة.. درس في إدارة الأزمات
ويرى ماكغورك أن التعاون بين إدارتي بايدن وترامب خلال المرحلة الانتقالية شكل عاملًا مهمًا في الوصول إلى اتفاق يناير 2025.
وبالنسبة له، فإن استمرار قنوات الاتصال خلال انتقال السلطة منع حدوث فراغ تفاوضي، وسمح للفريقين بالعمل بصورة متوازية للوصول إلى اختراق في واحدة من أكثر مراحل الأزمة تعقيدًا.
ويقدم ماكغورك هذه التجربة باعتبارها نموذجًا على إمكانية استمرار العمل الدبلوماسي الأمريكي في الملفات الحساسة، حتى عند انتقال السلطة بين إدارتين متعارضتين سياسيًا.
شهادة مثيرة للجدل حول مسؤولية استمرار الحرب
وتقدم مذكرات ماكغورك ومقابلته مع CBS News رواية من داخل إدارة بايدن تعيد طرح السؤال بشأن أسباب استمرار حرب غزة وتعثر مفاوضات الرهائن.
ويضع المسؤول الأمريكي السابق جانبًا كبيرًا من المسؤولية على حسابات حماس التفاوضية، مستندًا إلى ما يقول إنها ثلاث فرص متتالية انهارت بسبب شروط جديدة أو خلافات في اللحظات الحاسمة.
في المقابل، تبقى هذه الرواية شهادة شخصية لمسؤول شارك مباشرة في صناعة السياسة الأمريكية والمفاوضات، وبالتالي فإن تقييمها تاريخيًا يتطلب مقارنتها بروايات الأطراف الأخرى، بما في ذلك إسرائيل وحماس وقطر ومصر، فضلًا عن وثائق ومصادر مستقلة.
وتكتسب هذه المقارنة أهمية خاصة في الملفات المتعلقة بأسباب انهيار صفقات الرهائن، وحقيقة المواقف التفاوضية لكل طرف، وتقييم قرارات إدارة بايدن بشأن الدعم العسكري لإسرائيل والمساعدات الإنسانية في غزة.
