في مثل هذا اليوم، يصعب أن أعرف عن ماذا أكتب. عن الذين رحلوا، وهم أكثر من أن تتسع لهم الكلمات؟ أم عن الذين بقوا، يحملون آثار الحرب في أجسادهم وأرواحهم؟ عن البيوت التي هُدمت، ولم تكن يومًا مجرد حجارة، بل ذاكرة عائلات وأعمار كاملة؟ أم عن الشوارع والأحياء والمدارس والمقاهي وتلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع غزة التي نعرفها؟ عن النزوح؟ عن الجوع؟ عن الخوف؟ عن القهر؟ عن مدينة تغيّر وجهها، وعن حياة كاملة جرى اقتلاعها من أماكنها؟
بعد ثلاث سنوات، ربما لم يعد السؤال: ماذا خسرنا؟ لقد خسرنا ما يصعب إحصاؤه، وما هو أكبر من أن تختزله أرقام الضحايا والمباني المدمرة. خسرنا بشرًا، وبيوتًا، وأحياء، وأماكن، وذكريات، وسنوات من أعمارنا. وخسر كثيرون منا تلك الصورة التي كانوا يحملونها عن غزة، المكان الذي مهما ابتعدنا عنه كنا نعرف أننا نستطيع العودة إليه فنجد بيتًا وشارعًا ونافذة ووجوهًا تحفظ أسماءنا.
لكن ثمة سؤالًا آخر، أكثر قسوة، يفرض نفسه بعد ثلاث سنوات: ماذا تعلّمنا؟ ليس السؤال هنا بحثًا عن مذنب واحد نحمله مسؤولية كل ما جرى، ولا محاولة لتبرئة الاحتلال من مسؤوليته عن حرب ودمار وقتل غير مسبوقين. فمسؤولية الاحتلال عن أفعاله لا تحتاج إلى مساومة، ولا ينبغي أن تكون موضع التباس. لكن مسؤولية الاحتلال لا تعفينا من مسؤولية السؤال عن أنفسنا. فالسياسة لا تُقاس فقط بعدالة القضية أو صدق النوايا أو شجاعة التضحيات. السياسة تُقاس أيضًا بالنتائج، وبالقدرة على قراءة موازين القوى، وحساب الكلفة، وحماية المجتمع، ومراجعة القرارات عندما تقود إلى نتائج تختلف جذريًا عما كان متوقعًا منها.
وهنا تبدأ المشكلة التي ما زلنا، بعد ثلاث سنوات، نتهرب منها. هل جرت مراجعة فلسطينية حقيقية لما حدث؟ هل خرج طرف ليقول بوضوح: أخطأنا هنا؟ أسأنا التقدير هناك؟ توقعنا شيئًا وحدث شيء آخر؟ هل سألنا لماذا وصلنا إلى هذه النتيجة، وكيف يمكن ألا نصل إليها مرة أخرى؟ أم أن كل طرف ما زال يبحث في المأساة عما يؤكد روايته القديمة؟ هذا يرى في كل سؤال تشكيكًا في المقاومة، وذاك يرى في كل حديث عن المقاومة تبريرًا لما حدث. هذا يريد أن يبدأ التاريخ من السابع من أكتوبر، وذاك يريد أن يتوقف التاريخ عنده. وبين الروايتين تضيع المساحة التي كان ينبغي أن تولد فيها السياسة.
ثلاث سنوات، وما زلنا مختلفين حتى على حقنا في طرح السؤال. وهذا ربما أحد أخطر ما أصابنا. لقد تحول الاختلاف السياسي الفلسطيني، في أحيان كثيرة، من اختلاف حول الوسائل والخيارات إلى صراع حول الأخلاق والوطنية؛ فأصبح كل طرف يحتاج إلى نزع الشرعية عن الآخر كي يثبت شرعيته هو. وفي مثل هذا المناخ يصبح الاعتراف بالخطأ هزيمة، والمراجعة ضعفًا، والسؤال خيانة. لكن الشعوب لا تتعلم بهذه الطريقة. والحركات السياسية لا تنضج بهذه الطريقة. والقضايا الوطنية لا تُدار بهذه الطريقة. ليس عيبًا أن تخطئ حركة سياسية أو قيادة أو سلطة في التقدير. فالسياسة بطبيعتها مجال للمخاطرة والاحتمال والقرارات الناقصة. لكن الخطأ يصبح أكثر خطورة عندما نرفض الاعتراف به، وأكثر كلفة عندما نحوله إلى بطولة، وأكثر مأساوية عندما يدفع المجتمع ثمنه ثم يُطلب منه ألا يسأل.
وغزة دفعت ثمنًا يجعل السؤال حقًا لا يمكن مصادرته. فالناس الذين فقدوا أبناءهم وبيوتهم وأعمالهم ومدارس أطفالهم ومدنهم الصغيرة التي بنوها على مدى عقود، ليسوا مجرد جمهور مطلوب منه التصفيق لهذه الرواية أو تلك. هؤلاء هم أصحاب القضية، وهم الذين تحملوا النتائج، ومن حقهم أن يعرفوا ماذا حدث، ولماذا حدث، وما الذي كان يمكن فعله بصورة مختلفة. ومن حقهم، قبل كل شيء، أن يطمئنوا إلى أن ما حدث لن يتحول إلى نموذج قابل للتكرار. لذلك، فإن السؤال بعد ثلاث سنوات ليس فقط: من انتصر ومن خسر؟
هناك سؤال أكثر أهمية: هل أصبح الفلسطيني اليوم أقرب إلى الحرية؟هل أصبحت غزة أقرب إلى الحياة؟ هل أصبح نظامنا السياسي أكثر قدرة على اتخاذ القرار؟ هل أصبحنا أكثر وحدة؟ هل أصبحت قضيتنا أكثر قدرة على تحويل التعاطف الدولي إلى قوة سياسية؟ وهل لدينا، بعد كل ما حدث، تصور واضح لليوم التالي؟ وهنا ربما نصل إلى السؤال الذي طالما حاولنا تأجيله: من يصنع هذا اليوم التالي؟ فالمعنى الحقيقي لليوم التالي ليس أن تتوقف الحرب، ثم نعيد ترتيب المشهد بالأدوات والعقليات والبنى ذاتها التي كانت جزءًا من المأزق الذي نحاول الخروج منه. إنه سؤال عن منظومة سياسية فلسطينية كاملة استنفدت كثيرًا من قدرتها على التجدد؛ منظومة أخفقت في إنهاء الانقسام، وفي بناء استراتيجية وطنية، وفي تحويل تضحيات الفلسطينيين إلى قوة سياسية قادرة على حماية الناس وتقريبهم من الحرية. لقد جُرّبت مسارات مختلفة.جُرّب التفاوض، وجُرّبت المقاومة المسلحة، وجُرّبت السلطة، وجُرّب حكم الأمر الواقع، وجُرّبت المصالحات التي لم تكتمل، وجُرّب الانتظار. وفي كل مرة كان الفلسطيني العادي هو من يدفع ثمن الفشل. لهذا، بعد كل ما جرى، لا يكفي أن نعيد ترتيب المقاعد حول الطاولة ذاتها. ولا يكفي أن تتغير أسماء المواقع بينما يبقى المنطق السياسي نفسه. ولا يكفي أن نسأل من سيحكم غزة، إذا لم نسأل قبل ذلك: بأي شرعية؟ وبأي مشروع؟ وضمن أي نظام سياسي ؟ وإلى أي هدف؟
فاليوم التالي الذي يستحق كل هذه التضحيات لا ينبغي أن يكون مجرد غزة بعد الحرب. يجب أن يكون أيضًا سياسة فلسطينية بعد الفشل.سياسة تعيد الاعتبار للإنسان الفلسطيني باعتباره غاية المشروع الوطني، لا وقوده الدائم. وقيادة تعرف أن الشرعية لا تُورث، ولا تُكتسب إلى الأبد من تاريخ سابق، وإنما تتجدد برضا الناس وقدرتها على الإنجاز والمساءلة. ومؤسسات تستطيع أن تمثل الفلسطينيين، لا أن تمثل انقسامهم. واستراتيجية وطنية تعرف ماذا تريد، وماذا تستطيع، وكيف تصل من الأولى إلى الثانية. وهنا يصبح السؤال أكثر صعوبة: هل يستطيع من كان جزءًا من المأزق أن يقود وحده عملية الخروج منه؟السؤال لا يعني إلغاء أحد، ولا شطب تاريخ أحد، ولا إنكار تضحيات أحد. لكنه يعني أن الشعوب التي تمر بكوارث بهذا الحجم لا تستطيع أن تتصرف في اليوم التالي وكأن شيئًا لم يحدث. ثمة لحظات في تاريخ الشعوب يصبح فيها التجدد ضرورة، لا ترفًا.
ولعل هذه إحداها. لهذا لا أريد في هذه الذكرى الثالثة أن أكتب عن الموت وحده. ولا أريد أن أضيف نصًا آخر إلى آلاف النصوص التي وصفت الدمار، رغم أن الدمار يستحق أن يبقى حاضرًا في ذاكرتنا. أريد أن أسأل عن الحياة التي ستأتي بعده. فالوفاء لمن رحلوا والوفاء لغزة لا يكون فقط بالقول إنها ستنهض من جديد. الوفاء الحقيقي يبدأ عندما نمتلك الشجاعة لكي نتعلم، وأن نعترف بأن تقديراتنا كانت خاطئة، وأن رهاناتنا لم تتحقق. وأن عدالة قضيتنا، مهما كانت راسخة، لا تعفينا من ضرورة امتلاك سياسة جيدة. وأن التضحية، مهما كانت عظيمة، ليست بديلًا عن الاستراتيجية. وأن الدم الفلسطيني أغلى من أن يتحول إلى حجة في سجال فلسطيني.
بعد ثلاث سنوات، ربما تكون غزة أقل حاجة إلى مزيد من الخطب، وأكثر حاجة إلى لحظة صدق. لحظة نقول فيها إن ما حدث أكبر من أن يستخدمه أي طرف لإثبات أنه كان على حق. وأكبر من أن تختصره رواية واحدة. وأكبر من أن يكون اليوم التالي مجرد عودة إلى الأمس بأسماء جديدة. لقد دفع الفلسطينيون ثمنًا لا يمكن استعادته، وفقدنا أشخاصًا وأماكن وبيوتًا وذكريات لن تعود كما كانت. ولا نستطيع أن نعيد الزمن إلى الوراء. لكن ما يزال في استطاعتنا أن نقرر أي مستقبل نريد. وربما تكون البداية أن نتوقف عن السؤال فقط: من سيحكم غزة في اليوم التالي؟ وأن نطرح السؤال الأهم: أي سياسة، وأي قيادة، وأي نظام فلسطيني يستحق أن يولد بعد كل هذا الثمن؟ لأن أقسى ما يمكن أن نفعله بمن رحلوا، وبمن بقوا، وبغزة نفسها، ليس أن نحزن عليهم أقل مما ينبغي؛ بل أن ندفع كل هذا الثمن… ثم نعيد إنتاج الأمس، ونسمّيه اليوم التالي.
