مشروعٌ لتوثيق الجهود الإغاثية والإنسانية في قطاع غزة
«حين ضاقت الأرض بأهلها، امتدت إليهم أيدٍ كثيرة؛ تحمل غذاءً ودواءً وماءً وغطاءً، وتقول لهم إنهم ليسوا وحدهم.»
 

لم تكن حرب الإبادة التي تعرّض لها قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 حربًا على البيوت والأحياء والبنية التحتية وحدها؛ فقد دفعت أعدادًا هائلة من الفلسطينيين إلى النزوح المتكرر، ووضعتهم في خيام ومراكز إيواء تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. وفي مواجهة هذا الواقع القاسي، تحركت مؤسسات إغاثية وإنسانية فلسطينية وعربية وإسلامية ودولية، إلى جانب مبادرات أهلية وفردية، لتقديم ما أمكن من طعام وماء ودواء ومأوى ورعاية صحية.
إن توثيق هذه الجهود ليس تسجيلًا لأسماء المؤسسات أو تعدادًا للشحنات فحسب؛ إنه حفظٌ لذاكرة التضامن، ولما بذله العاملون والمتطوعون في ظروف بالغة الخطورة، ولما صنعه الدعم الإنساني في حياة العائلات التي وجدت نفسها بين فقدان البيت ومشقة النزوح. وقد أسهمت هذه المساعدات في تخفيف الجوع والمرض والبرد، وفي تثبيت النازحين وتعزيز قدرتهم على البقاء في أرضهم، في مواجهة سياسات التهجير القسري ومخططات إفراغ القطاع التي تبناها نتنياهو وأطراف اليمين الصهيوني المتطرف. ولا يعني ذلك أن الإغاثة وحدها أوقفت التهجير أو أزالت أسبابه؛ لكنها منحت الناس أسبابًا إضافية للصمود، وأكدت أن إغاثة المدنيين وحقهم في الحياة والعودة إلى بيوتهم لا يجوز أن يتحولا إلى شأن مؤقت أو مشروط.
برزت هيئة الإغاثة الإنسانية التركية (IHH) في مشهد العمل الإغاثي بوصفها مؤسسة تركية ذات حضور ممتد في فلسطين. وقد أعلنت عن إيصال مساعدات غذائية وإغاثية إلى غزة، شملت وجبات ساخنة، ودقيقًا وخبزًا وطرودًا غذائية، ومياه شرب، وبطانيات وملابس ومواد للنظافة. وتكشف هذه الأصناف عن احتياجات يومية مباشرة عاشها النازحون في المخيمات ومراكز الإيواء، كما تبرز أهمية الشراكات المحلية التي مكّنت المؤسسات من إيصال بعض المساعدات وتوزيعها حيث أمكن.
ومن دولة الإمارات العربية المتحدة جاءت عملية «الفارس الشهم 3»، التي أُطلقت لدعم الفلسطينيين في غزة عبر جسر من المساعدات الجوية والبحرية والبرية. وشملت المساعدات الغذاء والمواد الطبية والملابس الشتوية ومواد الإيواء، إلى جانب جهود الإجلاء الطبي والعلاج خارج القطاع. كما شاركت مؤسسات إماراتية، من بينها الهلال الأحمر الإماراتي ومؤسسة زايد للأعمال الخيرية والإنسانية، في توفير الاحتياجات وتنسيق إيصالها. وقد شكلت العملية نموذجًا لحشد إمكانات الدولة ومؤسساتها الإنسانية في استجابة واسعة، مع بقاء وصول المساعدات وتوزيعها داخل غزة مرهونًا بالمعابر والقيود الأمنية والاحتياجات الميدانية.
أما اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)، فقد أدت دورًا إنسانيًا وإغاثيًا ووطنيًا بالغ الأهمية، بالتنسيق مع الهلال الأحمر الفلسطيني وجمعيات وطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر. وشملت جهودها دعم المرافق الصحية، وإيصال الإمدادات الطبية، والمساهمة في إصلاح مرافق المياه والصرف الصحي، وتشغيل المستشفى الميداني للصليب الأحمر في رفح، الذي قدم خدمات جراحية وطبية ورعاية للأطفال والنساء والحوامل.
وامتد دعم اللجنة إلى عدد من التكايا والمطابخ الجماعية والمخابز المجتمعية في مخيمات ومراكز تجمع النازحين؛ إذ أسهمت في توفير المواد الغذائية والطحين ودعم إعداد الوجبات وإنتاج الخبز، بما أعان عائلات كثيرة على تأمين وجبة يومية ورغيف يسند أطفالها. واستمر هذا الإسناد في مواقع عدة، رغم تراجع أوجه الدعم الإنساني عمومًا، وشح الإمدادات والقيود التي يفرضها الاحتلال على دخول المساعدات وحركتها. وقد حذرت اللجنة من أن استمرار إغلاق المعابر ونقص الإمدادات يهددان قدرة المطابخ الجماعية على مواصلة عملها، فيما واصلت دعم المطابخ والأفران المجتمعية خلال عام 2026. كما عملت اللجنة على حماية المدنيين والتذكير بقواعد القانون الدولي الإنساني، ودعم خدمات أساسية في بيئة أنهكها القصف والنزوح. وتستحق هذه الجهود توثيقًا يبيّن أثرها وحدودها، بما في ذلك الصعوبات التي واجهت الفرق الطبية والإنسانية.
وفي قطر، اضطلعت جمعية الهلال الأحمر القطري، بالتعاون مع صندوق قطر للتنمية وشركاء محليين ودوليين، بتمويل وتنفيذ تدخلات في الغذاء والماء والإيواء والصحة. وتضمنت تلك التدخلات توزيع وجبات ساخنة وطرود غذائية، ومساعدات شتوية من أغطية وملابس ومواد إيواء، ودعمًا طبيًا وإمدادات للمرافق الصحية. كما أسهمت دولة قطر في تسيير جسر جوي للمساعدات، وفي استقبال جرحى فلسطينيين للعلاج بالتعاون مع شركاء آخرين. وتكشف هذه الأعمال عن تداخل أدوار الدولة والجهات المانحة والجمعيات الإنسانية في تلبية جانب من الاحتياجات المتفاقمة.
وكان الهلال الأحمر الفلسطيني في قلب الاستجابة داخل القطاع. فقد واصل طواقمه ومتطوعوه تشغيل سيارات الإسعاف والمراكز الطبية والمستشفيات، وإسعاف الجرحى، وتقديم الرعاية الأولية، وتوزيع الغذاء والماء ومواد الإغاثة، ودعم الأسر النازحة نفسيًا وصحيًا. وامتد عمله إلى إقامة نقاط طبية ومساندة المجتمعات المحلية، رغم استهداف الطواقم والمرافق وتعطل الطرق ونقص الوقود والإمدادات. وتوثيق هذا الدور هو أيضًا توثيق لتضحيات العاملين الصحيين والإنسانيين الذين أدوا واجبهم وهم أنفسهم وعائلاتهم عرضة للنزوح والخطر.
وعلى الجانب المصري، اضطلع الهلال الأحمر المصري بدور محوري في استقبال المساعدات وفرزها وتخزينها وتجهيز القوافل، والتنسيق اللوجستي لإدخالها عبر المعابر، فضلًا عن مساعدة الجرحى والمرضى في إجراءات العبور والعلاج. وتحركت قوافل مصرية محملة بالغذاء والدقيق والدواء والوقود ومستلزمات الإيواء، فيما شاركت مؤسسات مصرية ومتطوعون في تنظيم تدفق الإمدادات. كما شكلت مصر، إلى جانب الأردن، ممرًا لاستقبال المساعدات القادمة من دول عدة، ولتنسيق عمليات الإجلاء الطبي ونقل المصابين. ويقتضي التوثيق الدقيق التمييز بين حجم ما جُهّز أو وصل إلى نقاط العبور، وما دخل فعليًا إلى غزة، وما أمكن توزيعه على السكان.
وكانت اليونيسف ووكالات الأمم المتحدة الأخرى جزءًا أساسيًا من منظومة الاستجابة. فقد ركزت اليونيسف على المياه والصرف الصحي والنظافة، والتغذية، واللقاحات والرعاية الصحية، وحماية الأطفال، ودعم المساحات التعليمية والآمنة. وأسهم برنامج الأغذية العالمي في توفير الطرود الغذائية والطحين والخبز والوجبات والخدمات التغذوية والنقدية، فيما واصلت الأونروا إدارة مراكز إيواء وتقديم خدمات صحية وإغاثية، رغم ما واجهته من استهداف ونقص حاد في الموارد. كما عملت منظمة الصحة العالمية ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية والمنظمة الدولية للهجرة وشركاء محليون على تنسيق الاحتياجات، ودعم المرافق الصحية، ومتابعة النزوح والإيواء والاستجابة الطارئة.
ولم يقتصر الإسناد على المؤسسات العاملة داخل غزة. فقد أسهمت دول عربية وإسلامية، من بينها تركيا والإمارات وقطر ومصر والأردن والسعودية والكويت، في إرسال المساعدات أو تمويلها أو تسهيل عبورها واستقبال المصابين. كما شاركت جمعيات وطنية للصليب الأحمر والهلال الأحمر من دول مختلفة في دعم المستشفى الميداني والإمدادات الطبية، وقدمت جهات أممية ودولية وشركاء أوروبيون تمويلًا ومساندة فنية. وإلى جانب ذلك كله، برزت جمعيات محلية ولجان مجتمعية وتكايا ومبادرات فردية، جمعت التبرعات، وأعدت الطعام، ونقلت الماء، وأقامت الخيام، وساعدت العائلات على تجاوز أيامها الأشد قسوة.
من هنا، تعمل لجنة التوثيق الخاصة بشهادات النازحين على تسجيل هذه الجهود وجمع الشهادات والمواد والصور والوثائق المرتبطة بها، لتكون جزءًا من كتاب يُعنى بالعمل الإغاثي والإنساني ضمن «موسوعة مرويات الكارثة والنزوح»، التي يصدرها معهد بيت الحكمة للاستشارات وحل النزاعات والهيئة الوطنية للصمود والوحدة الفلسطينية «صمود». وستضم الموسوعة، إلى جانب شهادات النازحين ويوميات المجازر، سجلًا للجهود الإنسانية والإغاثية التي بذلتها مؤسسات وجمعيات ودول، وما قدمته مبادرات فردية ومجتمعية.
ونأمل أن يقوم هذا العمل على شهادات المستفيدين والعاملين والمتطوعين، وعلى سجلات المؤسسات وتقاريرها وصورها، مع تدقيق أسماء الجهات وتواريخ المبادرات ومواقعها، والتمييز بين التعهدات والمساعدات التي وصلت فعلًا. فالتوثيق الأمين يكرم من أعان، ويحفظ حق النازحين في رواية ما عاشوه، ويقدم للأجيال سجلًا متكاملًا عن الكارثة: ما الذي وقع، وكيف تكاتفت الأيدي لتخفيف آثاره، وما الذي ظل غائبًا من الحماية والإنصاف.
لقد كانت المساعدات الإنسانية، على تنوع مصادرها، رسالة تضامن مع شعب لم يتخل عن أرضه رغم الفقد والدمار. وحين كان النازح يقتسم رغيفًا أو يتلقى عبوة ماء أو دواءً أو غطاءً، لم يكن يتلقى مادةً فحسب؛ كان يتلقى معنى أن حياته وكرامته موضع اهتمام. ومن واجبنا أن نحفظ هذه المعاني في كتاب موثق، يذكر أصحاب الفضل، ويصون ذاكرة الناس، ويؤكد أن حماية المدنيين وإغاثتهم حق، وأن بقاءهم على أرضهم لا ينبغي أن يكون معركة يخوضونها وحدهم.

شاركها.