لم تنتهِ الحرب ولا تزال فصولها الأخطر حاضرة، وما زالت الجراح تنزف والعذاب يزداد، ويتواصل تهديد الوجود الفلسطيني بالتهجير، ويتصاعد الإرهاب والتطهير العرقي. الأخطار الكبيرة تستدعي الجمع بين مراجعة السياسات والعمل على إنقاذ الوضع، حيث لا يمكن الفصل بين المهمتين. وقد بات جليا انه بمقدار ما نتعرف على الأخطاء الكبيرة والصغيرة، ونتعرف على الاختلال في السياسات، بمقدار ما نستطيع حماية الذات والخروج من المحنة، وتحويل الدعم والتضامن العالمي والعربي إلى أفعال. حتى الآن، لا يصار إلى اختراق جدار إنكار المسؤوليات، وتواصل التنظيمات تجاهل السياسات التي أنتجت ما نحن فيه. نتحدث عن الحوار الشامل وعن الانتخابات وتأجيلها وعن الديمقراطية والتوافق في بناء نظام سياسي بمشاركة الجميع ولكن بدون معايير وأسس وبدون مراجعة التجارب وقطع الطريق على إعادة تكرارها أو مفاقمتها. البعض يقول: أثناء الحرب، لا وقت للمراجعة، ولأننا نعيش صراعا متخما بالمتغيرات والأحداث الدراماتيكية فإن المشهد السابق لا يُرى ولا يمكن استحضاره وما علينا غير متابعة المشاهد اللاحقة كما هو حال راكب القطار.
في غياب المراجعات الرسمية والمؤسساتية، يتصدر مُبادرون ومُبادِرات بعضهم من داخل جحيم الحرب وبعضهم من أطرافه وخارجه، هؤلاء يطرحون أسئلة ويدلون بدلوهم في حوار حقيقي كثير الأهمية هدفه الخروج من حالة السلب والدخول في حالة الإيجاب. والأهم في كل حوار أن يبقى الشعب الفلسطيني، وحياته وكرامته وحقوقه المشروعة ومستقبله في مركز أي نقاش، لا أن يتحول إلى مجرد رقم في حسابات القوى. بصفتي واحدا من هؤلاء المبادرين للنقاش اخترت نقاش: «أداء قيادة (حماس) في الحرب» لأن هذه الحركة هي التي تحتكر قرار الحرب والمقاومة في صيغة مواجهة، وان استخلاص الدروس التي تؤدي إلى تغيير موقفها عبر الحوار والنقد سيحدث فرقا مهما في السياسة الفلسطينية، علما أن الحركة ومعها فصائل وتنظيمات متحمسة كثيرا للحوار الشامل لم تنبس ببنت شفة عما جرى، باستثناء جرائم الحرب الإسرائيلية، والتأييد العالمي ومكانة القضية الفلسطينية الدولية.
أولا: قرار الحرب
استعرض بيان طوفان الأقصى الأول على لسان محمد الضيف القائد العسكري لحركة حماس: الاستباحة الإسرائيلية للأراضي والمقدسات والأسرى والحقوق المترافق مع تقاعس دولي وإقليمي، وردا على العربدة الإسرائيلية قال الضيف: قررنا أن نضع حدّاً لكل ذلك، منوها إلى أن الضربة الأولى من عملية «طوفان الأقصى» تجاوزت خمسة آلاف صاروخ وقذيفة واستهدفت مواقع العدو ومطاراته وتحصيناته العسكرية. البيان دعا الأهل في الضفة الغربية إلى كنس الاحتلال ومستوطناته، ودعا الأهل في القدس إلى طرد قوات الاحتلال والمستوطنين من المدينة وهدم الجدران العازلة، ودعا أهل النقب والجليل والمثلث لإشعال الأرض لهيبا تحت أقدام المحتلين الغاصبين قتلا وحرقا وتدميرا وإغلاقا للطرقات. وطلب من المقاومة الإسلامية، في لبنان وإيران واليمن والعراق وسورية للالتحام بالمقاومة في فلسطين. وطالب الشعوب العربية والإسلامية بالزحف الفوري نحو فلسطين، قائلا: لا تجعلوا حدوداً ولا أنظمة ولا قيوداً تحرمكم شرف الجهاد والمشاركة في تحرير المسجد الأقصى».
كان الضيف دقيقا في استعراض الاستباحة الإسرائيلية الشاملة للأراضي والمقدسات والحقوق وتجاهل الحكومات الإسرائيلية للقرارات الدولية والإمعان في شطب حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وكذلك التقاعس الدولي. وكان من المنطقي أن تولّد الاستفزازات والضغوط والحصار والتجاهل والتقاعس ردا فلسطينيا. العام 1987، أحدث نهب الأرض والسيطرة الاستعمارية على الشعب والتنكر لحقوقه ردا شعبيا عفويا من خلال انتفاضة شعبية كبرى سرعان ما تحولت إلى انتفاض منظم ترك بصمات قوية على المجتمع الإسرائيلي والعالم. والعام 2000، أحدثت محاولة فرض إملاءات الحل السياسي في «كامب ديفيد» وانتهاك شارون لحرمة المسجد الأقصى انتفاضة شعبية ثانية سرعان ما تحولت إلى عمليات مسلحة وتفجيرات ضد المدنيين في العمق الإسرائيلي، ما سهل حسما عسكريا إسرائيليا وهزيمة المنتفضين. تجربة مسيرات العودة في الرد على حصار قطاع غزة حيدت أيضا القوة العسكرية للاحتلال وانتزعت بعض المطالب. دعونا نفرق بين الرد العفوي والتلقائي الشعبي وغير المنظم الذي لا يخضع للحساب والتدقيق في نتائجه وتبعاته، ومن الأمثلة على ذلك ظاهرتا الطعن والدهس وإطلاق نار وكلها يقوم بها أفراد غير منظمين كرد فعل على استفزاز او خسارة او قهر وإذلال. وبين الرد المنظم الذي يخضع لحساب ميزان القوى السياسي والعسكري وللربح والخسارة، ولتراكم المكاسب او بعثرتها.
يلاحظ من بيان القائد العسكري. أنه إعلان حرب شاملة وفاصلة على دولة الاحتلال، بالدعوة إلى مشاركة كل الشعب الفلسطيني، وإلى مشاركة كل فصائل محور المقاومة، وبدعوة كل الشعوب العربية والإسلامية إلى الزحف لتحرير المسجد الأقصى. أول ما يتبادر للذهن أن إعلان حرب مواجهة عسكرية هو استدعاء لآلة الحرب العسكرية للرد الوحشي، وكان المطلوب تحييد القوة العسكرية كما فعلت الانتفاضة الوطنية العام 87. وعندما لا يكون قرار الحرب مشتركا، فإن احتمال الاستفراد الإسرائيلي بالشعب الفلسطيني يكون مرجحا. لم يترجم شعار وحدة الساحات بعد 7 أكتوبر إلا في حدود إسناد عسكري جزئي، وكان من اللافت أن ايران تنصلت من الطوفان ولم تشارك في الإسناد، ودفع «حزب الله» ثمنا كبيرا لإسناده، جعله يقبل بوقف الحرب بشروط إسرائيلية أميركية وبدون وقف الحرب في غزة، بعد خسارته للبنية السياسية والعسكرية العليا. وأدت استجابة المقاومين في مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم وبعض البلدات إلى تدمير واحتلال المخيمات وتهجير معظم سكانها.
ليس من الصعب معرفة نتائج أي مواجهة عسكرية بين مقاومة محاصرة وبإمكانيات ضعيفة مقابل جيش هائل القدرات العسكرية والتكنولوجية والاستخبارية. أول درس من دروس حرب المقاومة ونظرياتها هي قانون أن تضع عناصر قوتك على عناصر ضعف العدو، ولا تسمح للأخير بأن يفعل العكس، أي أن يستخدم عناصر قوته ليفاقم ضعفك. لم تفعل حركة حماس بهذا القانون، فعلى ماذا استندت؟ ربما راهنت على وحدة الساحات وقدرة ايران على تدمير إسرائيل في سبع دقائق ونصف الدقيقة، وقدرة «حزب الله» على دخول الجليل وسيطرته حتى أبواب حيفا، وقد تحدث عدد من خبراء فضائية الجزيرة مطولا عن تفوق المقاومة في الحرب وان احتمال النصر يلوح في الأفق. وربما راهنت على تدخل دولي عبر الوساطة القطرية والمصرية يفضي إلى منع دولة الاحتلال من استكمال الحرب وصولا إلى هدنة جديدة، كما حدث في اربع مواجهات سابقة. وربما راهنت بأن إسرائيل لن تغامر بحياة الأسرى والرهائن الـ 250 وستضطر إلى إبرام صفقة، ورهانات أخرى من نوع أن إسرائيل لن تدخل قطاع غزة لتفادي الخسائر الهائلة التي ستوقعها المقاومة بجيشها، وان إسرائيل لا تحتمل حربا طويلة .. وللنقاش بقية
