:

ولدت في القدس، على مسافة أمتار قليلة من المسجد الأقصى، فتحت عيني على الصلوات وهي تصعد من الحناجر، وعلى الدعوات والابتهالات التي كانت تعبر إلى نوافذ المشفى، وعلى رائحة التوابل وهي تفوح من باب العامود. ولدت في مدينة لم تكن مكانا فحسب، بل ذاكرة كاملة تسكن الحواس، وتترك في الروح شيئا لا يغادرها.

ولدت في زمن كان لنا فيه زعيم “ياسر عرفات” تهتز لخطوة قدمه عروش ودول، وكان لنا كبرياء لا يحتاج إلى كثير من الكلام. كان الفدائي قديسا يمشي على قدمين، وكانت الثورة تعرف طريقها إلى كل بيت، وكان الوطن فكرة تسكن الوجوه قبل الكتب. كان ذلك زمنا نشعر فيه أنّ لنا ظهرا نتكئ عليه، وأنّ لنا صوتا لا ينكسر حين يعبر العالم، وأنّ الإنسان يستطيع أن يحمل وطنه في قامته، حتى حين تضيق به الأرض.

ولدت في زمن جمال عبد الناصر..
وما زلت رغم كل ما انكسر، أؤمن أنّ وحدتنا كعرب ليست حلما قديما، وأنّ ما يجمعنا أكبر من كل ما فرّقنا. ربما لأنني نشأت على فكرة أنّ الأمة حين تتذكر نفسها، تستعيد شيئا من قوتها وهيبتها.

ولدت في زمن محمود درويش، حين قال إنّ على هذه الأرض ما يستحق الحياة. 
وفي زمن سميح شقير، الذي حفظت أغنيته (رجع الخي) عن ظهر قلب، وكنت أسمعها كل يوم بعد استشهاد أخي مناضل، كأنني أبحث في الأغنية عن صوت لا يستطيع الموت أن يخنقه، أو عن شيء من أخي ظل معلقا في الهواء. 

وفي زمن مارسيل خليفة، رددت (منتصب القامة أمشي)، فيما نمشي اليوم بقلوب مثقلة، نحاول أن نحفظ معنى الوقوف، وأن لا ننحني أمام زمن يريد لنا أن نعتاد الانكسار.

تمنيت أن ألتقيهم جميعا، واحدا واحدا، لم يحدث ذلك. وربما لهذا بقي كل واحد منهم في داخلي على هيئة أخرى: عبد الناصر فكرة، ودرويش قصيدة، والقاسم أغنية، وخليفة صوتا يشبه الطريق. لم يحدث اللقاء، لكن بعض الذين لا نلتقيهم في الحياة يسكنوننا أكثر. 

عشت في المغير، القرية التي تقف كل يوم في وجه الاقتلاع. هناك لا أخشى على البيت وحده، بل أخشى على قبر أخي الشهيد، وعلى ذاكرة عائلتي، من أن يأتي يوم يصبح فيه حتى الموتى بحاجة إلى من يحرس أسماءهم. في المغير تعلمت أنّ الأرض لا تكون ترابا فقط؛ أحيانا تكون قبرا، وذاكرة، ووجها، وطفولة لا تريد أن تغادر مكانها.

وأعيش في رام الله، المدينة التي تحتضن كل تناقضاتنا: الفرح والخوف، الحلم والانكسار، الحياة وهي تمشي بجوار الموت كأنها تعلمت ألا تسأل كثيرا.

وسط كل هذا أكتب، أكتب الشعر والأدب، كأن أرتب فوضى العالم كما أرتب الكلمات. أحاول أن أمنح الأشياء أسماءها قبل أن يسرقها النسيان. وفلسطين ليست موضوعا أكتب عنه؛ إنها أعمق من ذلك. تسكن دمي، وتمشي معي في حلي وترحالي، في ما أقول وما أصمت عنه، وفي كل مرة أكتب فيها أكتشف أنني، مهما ابتعدت، أعود إليها.
@إشارة

شاركها.