لا أعرف كيف يمكن للكلمات أن تبدأ رسالة إلى رجل غاب عن الدنيا منذ ست سنوات، لكنه لم يغب عن الذاكرة.
رقم يبدو طويلاً على الورق، لكنه حين يتعلق الأمر بمن أحببناهم وعشنا معهم سنوات العمل والصداقة، يصبح الزمن مجرد أرقام لا تستطيع أن تقيس المسافة بين الغياب والحضور.
اليوم، وأنا أكتب إليك ياأباسم، أشعر أنني لا أكتب عن رجل رحل، وإنما أكتب إلى زميل وصديق واخ كبير ما زال حاضراً في مكان ما من الذاكرة.
أتذكر سنوات العمل الإعلامي ال 35 معك، وأتذكر الوجوه التي رافقتنا في تلك الرحلة الطويلة، وأتذكرك بينها دائماً كما عرفتك: هادئاً، متواضعاً، عارفاً بأسرار المهنة، ومؤمناً بأن الإعلام رسالة قبل أن يكون وظيفة.
كانت الصحافة في ذلك الزمن مختلفة.
كنا نعرف قيمة الخبر، وننتظر التفاصيل، ونتعامل مع الكلمة وكأنها أمانة. وكانت العلاقات المهنية تتجاوز حدود المكاتب والمؤسسات، لتتحول مع مرور السنوات إلى صداقات حقيقية وذكريات مشتركة.
وأنت كنت واحداً من أولئك الذين جعلوا للمهنة وجهاً إنسانياً.

لم تكن تحتاج إلى كثير من الكلام لكي تترك أثراً. كان حضورك هادئاً، لكن تأثيرك كان عميقاً. كنت من أولئك الرجال الذين لا يفرضون أنفسهم على الآخرين، لكنهم يتركون في نفوسهم مكاناً لا يزول.
ربما لهذا السبب بقيت في الذاكرة كل هذه السنوات.
بعد رحيلك، أدركت أكثر أن الإنسان لا يُقاس بما تركه من مناصب أو ألقاب، وإنما بما تركه من محبة في قلوب الناس.
وأنت تركت الكثير منها.
تركتها في زملائك، وفي أصدقائك، وفي كل من عرفك وعمل معك.
لقد كنت جزءاً من جيل إعلامي عاش مرحلة مهمة من تاريخ الإمارات، جيل رأى المؤسسات الإعلامية وهي تنمو وتتطور، ورأى الدولة وهي تنتقل بثقة من مرحلة إلى أخرى، وكان للإعلاميين في تلك المرحلة دور كبير في نقل صورة الإمارات إلى العالم.
كنت واحداً من هؤلاء.
ولذلك، كلما تذكرت مسيرتك، لا أتذكرك باعتبارك إعلامياً فقط، وإنما باعتبارك شاهداً على زمن كامل.
زمن كان فيه العمل الإعلامي مدرسة، وكان فيه الزميل سنداً لزميله، وكانت الخبرة تنتقل من جيل إلى جيل، وكانت العلاقات الإنسانية أقوى من حدود المكاتب والمناصب.
وأتذكر فيك تحديداً تلك الروح الهادئة التي كانت تمنح من حولك شعوراً بالاطمئنان.

لم تكن من الذين يرفعون أصواتهم لكي يُسمعوا، ولا من الذين يبحثون عن الأضواء لكي يعرفهم الناس.
كنت تعرف أن القيمة الحقيقية للإنسان فيما يقدمه، لا فيما يقوله عن نفسه.
واليوم، بعد ست سنوات من رحيلك، أجدني أشتاق إلى تلك الأيام.
أشتاق إلى الوجوه التي غابت، وإلى الأحاديث التي انتهت، وإلى ذلك الزمن الذي كنا نظن أنه سيبقى معنا طويلاً.
لكن الحياة تمضي، والناس يرحلون، وتبقى الذكريات شاهدة على أننا كنا هنا يوماً، وعشنا معاً، وعملنا معاً، وضحكنا معاً، واختلفنا أحياناً، ثم عدنا كما يفعل الأصدقاء دائماً.
وهكذا تصبح الذاكرة، مع مرور السنوات، وطناً صغيراً للراحلين.
وأنت يا إبراهيم العابد، لك في ذاكرتي مكان خاص.
كلما مررت بذكرى من ذكريات الإعلام، عدت إليك.
كلما تحدثنا عن جيلنا، ظهر اسمك.
وكلما تذكرت أولئك الذين تركوا بصمة حقيقية في مسيرة الإعلام الإماراتي، كنت واحداً من الأسماء التي لا يمكن تجاوزها.
لقد رحلت قبل ست سنوات، لكنك لم ترحل من الذاكرة.
وهذا، في النهاية، هو أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه.
أن يمضي جسده، ويبقى أثره.

أن يغيب صوته، وتبقى كلماته.
أن ينتهي حضوره اليومي، ويبقى حضوره في قلوب من عرفوه.
لو كان بإمكاني أن أختصر ست سنوات من الذكريات في جملة واحدة، لقلت لك:
ما زلنا نذكرك بالخير.
وما زلنا نذكر مواقفك، وهدوءك، وابتسامتك، وأحاديثك، وما زالت صورتك حاضرة في ذاكرة من عاشوا معك رحلة المهنة.
ولست أكتب إليك اليوم لأقول إننا نسيناك ثم تذكرناك في ذكرى رحيلك.
على العكس.
نحن نتذكرك لأنك لم تغب تماماً.
فالذين نحبهم لا يحتاجون إلى مناسبة كي نتذكرهم.
هم يسكنون في التفاصيل الصغيرة التي لا يراها أحد سوانا.
في مكان، في صورة، في اسم، في حديث عابر، وربما في لحظة صمت نستعيد فيها زمناً لن يعود.
هذه هي الذكرى يا إبراهيم.
وهذا هو الوفاء.
أن يبقى الإنسان حياً في وجدان الآخرين بعد أن يتوقف الزمن بالنسبة إليه.
رحم الله إنساناً أحب مهنته، وأخلص لوطنه، واحترم زملاءه، ومضى بهدوء كما عاش بهدوء.أسأل الله أن يجعل ما قدمته في ميزان حسناتك، وأن يكرم مقامك، وأن يجعل قبرك روضة من رياض الجنة.
رحمك الله يا إبراهيم العابد.

شاركها.