كشفت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية في تقرير لها عن تحوّل ملحوظ في الجهات والمؤسسات التي يعتمد عليها جيش الاحتلال الإسرائيلي في برامج التثقيف والتأهيل الموجهة للجنود والضباط. ويتمثل هذا التحول في تصاعد الحضور والنشاط للمؤسسات المرتبطة بالتيار اليميني والحركة الاستيطانية والتراث الديني اليهودي خلال الفترة الممتدة بين عامي 2021 و2025، مقابل تراجع ملحوظ في التعاون مع المؤسسات المعنية بالديمقراطية وحقوق الإنسان.
وأظهرت البيانات التي أوردتها الصحيفة ارتفاع عدد الأنشطة التي طلبها الجيش من مؤسسة “بيت سيفر سديه كفار عتصيون”، وهي مؤسسة تعليمية وسياحية داعمة للاستيطان، من 32 نشاطاً عام 2021 إلى 227 نشاطاً عام 2025. كما ارتفعت أنشطة جمعية “درخي أفوت”، وهي منظمة دينية واستيطانية تنشط بصورة رئيسية في تجمع “غوش عتصيون” الاستيطاني، من ثلاثة أنشطة فقط إلى 356 نشاطاً خلال الفترة نفسها، بزيادة تجاوزت مئة ضعف. كذلك سجّل معهد “إسرائيل من الداخل”، الذي ينظم جولات في الضفة الغربية المحتلة بإشراف ناشط سابق في حزب الصهيونية الدينية، قفزة كبيرة في حجم التعاون مع الجيش، حيث ارتفع عدد الأنشطة المنفذة من الصفر عام 2022 إلى 742 نشاطاً عام 2025. وتعكس هذه المؤشرات تنامي حضور المؤسسات ذات التوجهات اليمينية والاستيطانية في برامج التربية العسكرية داخل الجيش الإسرائيلي.
في المقابل، أظهرت البيانات تراجعاً واضحاً في التعاون بين الجيش الإسرائيلي والمؤسسات التي تُعنى بالديمقراطية وحقوق الإنسان. فعلى الرغم من ارتفاع عدد الأنشطة المنفذة بالتعاون مع مركز يتسحاق رابين من 24 نشاطاً عام 2021 إلى 90 نشاطاً عام 2023، إلا أنه انخفض لاحقاً إلى 56 نشاطاً عام 2024 قبل أن يسجل ارتفاعاً محدوداً إلى 63 نشاطاً في عام 2025. كما تراجع عدد الأنشطة التي نفذت بالتعاون مع مركز كرامة الإنسان من 27 نشاطاً عام 2021 إلى نشاط واحد فقط عام 2025، في حين لم يسجل المعهد الإسرائيلي للديمقراطية أي نشاط بالتعاون مع الجيش خلال العام الماضي.
ويتقاطع هذا التحول مع ما أشارت إليه دراسات وأبحاث متعددة حول تنامي نفوذ اليمين داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وتزايد تسييس الجيش، خصوصاً بعد تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو بالشراكة مع بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير. فخلال السنوات الأخيرة، شهدت المؤسسة العسكرية صعوداً متواصلاً للضباط والجنود المنتمين إلى تيار “الصهيونية الدينية” والحركة الاستيطانية، بالتوازي مع تراجع نسبي في دوافع الخدمة العسكرية لدى النخب العلمانية التقليدية التي هيمنت تاريخياً على المواقع القيادية العليا في الجيش. وقد أسهم هذا التحول في تعزيز تأثير الفكر اليميني الديني داخل الوحدات القتالية وصفوف الضباط، وهو ما انعكس في الخلافات المتكررة التي برزت بين القيادة العسكرية من جهة، ووزيري الحكومة بن غفير وسموتريتش من جهة أخرى، بشأن إدارة الأوضاع في الضفة الغربية والتعامل مع اعتداءات المستوطنين.
ولا يقتصر تأثير المؤسسات الاستيطانية على برامج التأهيل والتثقيف داخل الوحدات النظامية، بل يمتد إلى تشكيلات عسكرية وشبه عسكرية أخرى، أبرزها وحدات “هاغمار” (الدفاع الإقليمي)، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات جوهرية في طبيعة دورها ووظائفها. فمع نقل عدد من الكتائب النظامية من الضفة الغربية للمشاركة في العمليات العسكرية في قطاع غزة وجبهات أخرى، وسّع الجيش الإسرائيلي بصورة متسارعة عمليات تجنيد وتسليح عناصر “هاغمار” داخل المستوطنات، حيث زُوِّد آلاف المستوطنين بأسلحة هجومية وبزّي عسكري ورواتب حكومية، ليتم تحويلهم إلى قوات احتياط محلية. وتشير تقارير صحفية دولية وشهادات صادرة عن منظمات أممية إلى أن هذه الوحدات، التي تتكون بمعظمها من المستوطنين، باتت تؤدي أدواراً تقترب من الميليشيات المدنية المسلحة.
إلى جانب ذلك، شهدت “فرق التأهب” في المستوطنات توسعاً غير مسبوق منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، بعد تبني وزارة الأمن القومي بقيادة إيتمار بن غفير خطة واسعة لتسليح هذه الفرق وتوسيع أعدادها. وقد خُصصت موازنات كبيرة لشراء عشرات آلاف البنادق الهجومية وملايين الطلقات والسترات الواقية والمعدات المتطورة، فضلاً عن إنشاء مئات فرق الاستجابة السريعة الجديدة داخل المستوطنات. كما انضم إلى هذه التشكيلات عدد كبير من نشطاء الجماعات الاستيطانية المتطرفة، مثل “شبيبة التلال” و”تدفيع الثمن”، الأمر الذي أسهم في طمس الحدود الفاصلة بين المدنيين المستوطنين والأجهزة الأمنية الرسمية.
وتُتهم هذه الفرق بالمشاركة في اعتداءات متكررة ضد الفلسطينيين، بما في ذلك تخريب الممتلكات الزراعية، وحرق المحاصيل، واقتلاع أشجار الزيتون، إضافة إلى ممارسة ضغوط مباشرة على التجمعات الرعوية والبدوية الفلسطينية في المناطق المصنفة (ج) لدفع سكانها إلى مغادرة أراضيهم. ويُنظر إلى هذه التشكيلات باعتبارها جزءاً من مشروع سياسي أوسع تتبناه قوى اليمين الإسرائيلي المتطرف، كما أنها تحظى بحضور بارز في الخطاب السياسي والإعلامي لوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير.
ويتكامل دور هذه القوى مع قرارات سياسية أخرى، من بينها التوجه نحو نقل بعض الصلاحيات الأمنية المتعلقة بالمستوطنين من الجيش إلى الشرطة، بما يعزز دمج المستوطنين وأجهزتهم الأمنية في مؤسسات الدولة المدنية، ويكرّس واقع السيطرة الإسرائيلية والضم الفعلي في الضفة الغربية.
