أكد الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، أن الأمن المائي العربي يتطلب تعزيز العمل العربي المشترك، وتطوير الدبلوماسية المائية لتسوية الخلافات وبناء الثقة بين الدول، مشددًا على أن المياه يجب أن تكون جسرًا للتعاون والسلام، وليس عاملًا للنزاع أو التوتر.

وقال فهمي، في كلمته خلال المؤتمر العربي السابع للمياه، التي ألقاها نيابة عنه السفير أحمد رشيد خطابي، الأمين العام المساعد رئيس قطاع الإعلام والاتصال بالجامعة العربية، إن المياه العابرة للحدود تمثل أحد أكثر الملفات حساسية في منظومة الأمن المائي العربي، في ظل اعتماد دول عربية متعددة على أنهار وأحواض جوفية مشتركة.

وأضاف أن إدارة هذه الموارد تستلزم تعزيز الحوار والتعاون وتبادل البيانات والمعلومات، وتطوير آليات التشاور والتنسيق وبناء الثقة بين الدول المتشاطئة، بما يضمن الاستخدام المنصف والمعقول للموارد المائية، وعدم الإضرار بمصالح الدول الأخرى، وفقًا لمبادئ القانون الدولي ذات الصلة.

وأوضح الأمين العام، أن المياه لم تعد مجرد مورد طبيعي أو قضية فنية وقطاعية، بل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأمن والاستقرار والأمن الغذائي والطاقة والصحة والاقتصاد وسبل العيش ومستقبل التنمية في البلدان العربية، مؤكدًا أن المياه تمثل أحد الشروط الضرورية لتحقيق السلام والتنمية واستدامتهما.

جاء ذلك خلال أعمال المؤتمر العربي السابع للمياه، المنعقد بالقاهرة في 26 نوفمبر 2026، تحت عنوان «المياه في المنطقة العربية: شراكات من أجل السلام والتنمية المستدامة»، بمشاركة ممثلي الدول والمؤسسات والمنظمات المعنية بقضايا المياه.

وأشار فهمي إلى أن المنطقة العربية تواجه واحدة من أكثر البيئات المائية تحديًا على مستوى العالم، نتيجة محدودية الموارد المائية المتجددة، واتساع نطاق الجفاف، والنمو السكاني، والتوسع الحضري، وتزايد الطلب على المياه في القطاعات المختلفة، إلى جانب الضغوط المتزايدة على المياه الجوفية والموارد المائية المشتركة.

ولفت إلى أن الموارد المائية تتعرض، بالتزامن مع تزايد الاحتياجات، لضغوط متنامية بسبب التلوث والاستنزاف والتدهور، ما يستدعي الانتقال من إدارة الأزمات إلى الإدارة الاستباقية والمستدامة للموارد.

وأكد أن تحقيق الأمن المائي لا يقتصر على توفير الكميات اللازمة من المياه، بل يشمل ضمان استدامة الموارد وعدالة توزيعها وكفاءة استخدامها وحمايتها من التدهور، إلى جانب تعزيز قدرة المجتمعات العربية على مواجهة المخاطر والأزمات المائية والمناخية.

وشدد على أن ندرة المياه، رغم كونها أحد أبرز التحديات الهيكلية التي تواجه المنطقة العربية، ينبغي أن تكون حافزًا للابتكار وحسن الإدارة وتغيير أنماط الاستهلاك والإنتاج، وتعزيز الاستثمار في الحلول والتقنيات الحديثة.

وأكد الأمين العام أهمية إعطاء أولوية متقدمة لرفع كفاءة استخدام المياه، والحد من الفاقد، وتطوير نظم الري، وتعزيز إعادة استخدام المياه المعالجة، والتوسع المدروس في تحلية المياه، وحماية المياه الجوفية، والاستفادة من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في رصد الموارد المائية والتنبؤ بالتغيرات وإدارتها.

وأوضح أن التحدي المائي لا يمكن التعامل معه بمعزل عن القطاعات الأخرى، في ظل الترابط الوثيق بين المياه والغذاء والطاقة، وهو ما يتطلب تطوير مقاربات متكاملة تضمن الاستخدام الأمثل للموارد وتحقيق أكبر قدر ممكن من المنافع الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

تحديث الاستراتيجية العربية للأمن المائي

وفيما يتعلق بالعمل العربي المشترك، أكد فهمي أن الدول العربية أدركت مبكرًا أن مواجهة التحديات المائية لا يمكن أن تعتمد على الجهود الوطنية المنفردة وحدها، وإنما تحتاج إلى رؤية عربية مشتركة.

وأوضح أن الاستراتيجية العربية للأمن المائي في المنطقة العربية تمثل إطارًا مهمًا لتنسيق الجهود ومواجهة التحديات المائية وربط قضايا المياه بأهداف التنمية المستدامة، مشيرًا إلى تحديثها لمواكبة المتغيرات الاقتصادية والديموغرافية والمناخية والتكنولوجية المتسارعة.

وشدد على أن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من الرؤية إلى التنفيذ، ومن المبادئ العامة إلى البرامج والمشروعات، ومن التوصيات إلى النتائج القابلة للقياس.

وأشار إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز آليات متابعة تنفيذ الاستراتيجية وخطتها التنفيذية، وتحديد الأولويات، وتعبئة الموارد، وتكثيف التنسيق بين الدول العربية والمنظمات والمؤسسات العربية المتخصصة، بما يضمن تحويل الالتزامات إلى مشروعات ومبادرات ذات أثر ملموس.

وأكد أن نجاح أي استراتيجية لا يقاس بالأهداف التي تتضمنها فحسب، وإنما بالنتائج التي تحققها على أرض الواقع.

وحذر فهمي من التداعيات المتزايدة لتغير المناخ على الموارد المائية العربية، موضحًا أن المنطقة من أكثر مناطق العالم تعرضًا لهذه الآثار، التي تشمل ارتفاع درجات الحرارة، وتغير أنماط هطول الأمطار، وتزايد فترات الجفاف، واشتداد موجات الحرارة، وتكرار الظواهر المناخية المتطرفة، فضلًا عن مخاطر الفيضانات وارتفاع مستوى سطح البحر وتأثيراته على المناطق الساحلية والمياه الجوفية.

وأشار إلى أن هذه التحديات تتداخل مع قضايا الأمن الغذائي والطاقة، ما يستدعي بناء منظومة عربية متكاملة للتكيف المائي مع تغير المناخ، تقوم على تطوير نظم الإنذار المبكر، وتحسين إدارة مخاطر الجفاف والفيضانات، وتعزيز مرونة البنية الأساسية، وحماية الموارد الجوفية، وتطوير نظم الرصد والمعلومات، وإدماج السيناريوهات المناخية في التخطيط المائي.

كما أكد ضرورة مواصلة تطوير مصادر المياه غير التقليدية، خاصة التحلية وإعادة استخدام المياه، مع مراعاة الاعتبارات الاقتصادية والبيئية واحتياجات الطاقة المرتبطة بهذه الحلول.

ولفت الأمين العام إلى أن المنطقة العربية تمتلك خبرات علمية وفنية متراكمة، ومؤسسات متخصصة، وقدرات بشرية متميزة، وتجارب ناجحة يمكن البناء عليها لمواجهة التحديات المائية.

ودعا إلى الانتقال من تبادل الخبرات إلى تكاملها، ومن تنفيذ المشروعات المنفردة إلى بناء برامج عربية مشتركة، ومن استيراد الحلول إلى تطوير الابتكار والتكنولوجيا وتوطينهما.

وأكد أهمية تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص ومؤسسات التمويل العربية والدولية والجامعات ومراكز البحوث والمنظمات الإقليمية والدولية، مشددًا على ضرورة أن يحتل تمويل قطاع المياه مكانة متقدمة في أجندة التنمية والاستثمار.

كما دعا إلى تطوير مشروعات قابلة للتمويل، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، والاستفادة من أدوات التمويل المناخي في تمويل مشروعات التكيف والمرونة المائية.

وأكد فهمي أن الشراكات في قطاع المياه تتجاوز إدارة الموارد المائية لتشمل تعزيز الأمن الغذائي وبناء الثقة بين الدول والاستثمار في التنمية وحماية مستقبل الأجيال القادمة من تداعيات تغير المناخ.

وأوضح أن جامعة الدول العربية ستواصل دعم العمل العربي المشترك في مجال المياه، وتعزيز دور المجلس الوزاري العربي للمياه، وتنسيق الجهود العربية في المحافل الإقليمية والدولية، ودعم تنفيذ الاستراتيجية العربية للأمن المائي وخطتها التنفيذية، وتشجيع تبادل الخبرات والتجارب، وتعزيز الشراكات والتمويل والاستثمار في القطاع.

وشدد على أن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من إدارة الندرة إلى إدارة المستقبل، ومن التعامل مع المياه باعتبارها أزمة إلى التعامل معها باعتبارها أولوية استراتيجية، ومن المنافسة على الموارد إلى التعاون في إدارتها والاستفادة منها، ومن الحلول المؤقتة إلى الاستثمارات طويلة الأمد في القدرة على الصمود والاستدامة.

ودعا إلى أن يشكل المؤتمر محطة جديدة لتعزيز الشراكة العربية في مجال المياه، وتحويل مخرجاته إلى برامج ومشروعات ومبادرات عملية، بما يجعل التعاون المائي رافدًا للسلام والاستثمار في المياه رافعة للتنمية المستدامة.

واختتم الأمين العام كلمته بالتأكيد على تطلع الشعوب العربية إلى الحفاظ على مواردها المائية وضمان استدامتها، وتوفير حق الأجيال القادمة في المياه والتنمية والحياة الآمنة والمستقرة، معربًا عن تقديره لمصر والمجلس الوزاري العربي للمياه والدول والمؤسسات والمنظمات والخبراء المشاركين في المؤتمر، ومؤكدًا أهمية الخروج برؤية عملية متجددة وشراكات فاعلة ومبادرات قابلة للتنفيذ تعزز الأمن المائي العربي وتدعم السلام والتنمية المستدامة في المنطقة.

شاركها.