ليس كل ما يهزّ إسرائيل يأتي من خارج حدودها، وليس كل ما يغيّر موازين القوة يحتاج إلى صاروخ أو جولة عسكرية، أو حرب دامية. أحيانًا يمكن لورقة اقتراع في صندوق انتخابي أن تخلق من القلق السياسي ما لا تصنعه سنوات من المواجهة. فما حققه فلسطينيو الداخل من تمثيل يقارب تسعة عشر مقعدًا في الكنيست، لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجرد زيادة في عدد النواب العرب، أو نجاح انتخابي عابر. نحن أمام حدث يستحق أن يُقرأ من زاوية مختلفة تمامًا: ماذا لو كانت هناك أدوات فلسطينية أخرى للقوة، أقل ضجيجًا من الحرب، لكنها أكثر قدرة على التراكم والتأثير؟ وهنا السؤال ليس أخلاقيًا، ولا يتعلق بالمفاضلة المجردة بين المقاومة والسياسة، بل هو سؤال سياسي بامتياز: ما الأداة التي تحقق أكبر أثر ممكن بأقل كلفة ممكنة؟
على مدار سنوات طويلة، خاضت إسرائيل وحماس جولات متكررة من المواجهة. أُطلقت آلاف الصواريخ، ونُفذت عمليات عسكرية واسعة، وسقط مئات آلاف الضحايا، ودُمرت أحياء وبنى تحتية، لكن ميزان القوة الأساسي ظل شديد الاختلال. وفي كل مرة كان الفلسطيني يدفع الجزء الأكبر من الثمن. وهنا تصبح المقارنة ضرورية، ليس بين الشجاعة والجبن، ولا بين المقاومة والاستسلام، وإنما بين الأداة والنتيجة. ماذا حققت كل جولة؟ ماذا تغير بعدها؟ هل أصبحت قدرة الفلسطيني على التأثير في القرار الإسرائيلي أكبر؟ هل تقلص الاحتلال؟ هل تحسنت شروط الحياة؟ هل تغيرت بنية النظام السياسي الإسرائيلي لمصلحة الحقوق الفلسطينية؟ وهي أسئلة لا تنتقص من تضحيات أحد، لكنها تضع السياسة أمام معيارها الأكثر قسوة: النتائج.
في المقابل، تخيل أن تسعة عشر نائبًا يمثلون فلسطينيي الداخل أصبحوا رقمًا يصعب تجاوزه في معادلة سياسية إسرائيلية شديدة الانقسام. هنا نحن أمام شكل مختلف من أشكال القوة. هؤلاء لا يملكون طائرات ولا دبابات، ولا يستطيعون تغيير ميزان القوى العسكري، لكنهم قد يمتلكون شيئًا آخر: القدرة على الدخول في حسابات تشكيل الحكومة فتسعة عشر مقعدًا تعادل نحو (15.8%) من أعضاء الكنيست، وهي نسبة ذات دلالة إذا ما قورنت بحجم الكتل الحزبية الكبرى. كما يمكن لهذا الوزن أن يعقّد بناء الائتلافات، ويرفع كلفة تجاهل المجتمع العربي، ويدخل قضاياه إلى قلب المؤسسة السياسية الإسرائيلية نفسها. وقد تكون المفارقة أن ما عجزت جولات عسكرية متكررة عن تغييره في الحسابات الداخلية الإسرائيلية، تستطيع كتلة سياسية كبيرة أن تؤثر فيه من داخل النظام نفسه.
وهذا تحديدًا ما يجعل الرقم سياسيًا أكثر أهمية من دلالته الحسابية. فاليمين الإسرائيلي يستطيع التعامل مع الصاروخ بأدوات يعرفها جيدًا: الجيش، والقبة الحديدية، والقصف، والحصار، والتعبئة الأمنية، واستدعاء الخوف داخل المجتمع الإسرائيلي. بل إن التجربة أظهرت أن التصعيد الأمني قد يمنح القوى الأكثر تطرفًا فرصة لإعادة إنتاج خطابها وتعزيز حضورها السياسي. أما صعود قوة فلسطينية مدنية منظمة داخل المجال السياسي الإسرائيلي فيطرح تحديًا من نوع آخر. كيف يمكن للخطاب الذي يقوم على تهميش الفلسطيني أن يتعامل مع كتلة فلسطينية لا يمكن تجاهلها عند تشكيل الحكومة؟ وكيف يمكن الحفاظ على هيمنة تصور سياسي يقوم على يهودية الدولة، في الوقت الذي يصبح فيه المواطنون الفلسطينيون أكثر قدرة على التأثير في تركيبة السلطة نفسها؟
هنا تتحول الديمغرافيا إلى سياسة، ويتحول الوجود الفلسطيني من مجرد حقيقة سكانية إلى قوة تفاوضية محتملة. لذلك فالقضية ليست في الرقم وحده، بل في تحويل الرقم إلى نفوذ. وهذه ربما إحدى المشكلات الفلسطينية الأعمق: كثيرًا ما نمتلك عناصر قوة، لكننا لا نحسن دائمًا تحويلها إلى قوة سياسية قابلة للاستثمار. فالسياسة الفلسطينية، منذ عقود، تحتاج إلى إعادة التفكير في مفهوم القوة نفسه. لقد ارتبطت القوة في المخيال السياسي الفلسطيني، في كثير من الأحيان، بالبندقية والمواجهة المباشرة، بينما تخبرنا تجارب الشعوب والعلاقات الدولية أن القوة أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.هناك قوة الديمغرافيا، وقوة الاقتصاد، وقوة القانون، وقوة المؤسسات، وقوة الشرعية الدولية، وقوة الرأي العام، وقوة المعرفة والإعلام، وقوة القدرة على بناء التحالفات، وقوة المشاركة السياسية، وقوة الصمود والوحدة، إضافة إلى أشكال المقاومة الأخرى. والدولة الأكثر ذكاءً ليست بالضرورة التي تستخدم أكبر قدر من القوة، وإنما التي تستطيع تحقيق أهدافها باستخدام أقل قدر ممكن منها.
الأمر نفسه ينطبق على الشعوب. فالسؤال الحقيقي لم يعد: هل نملك القدرة على إيلام الخصم؟ بل: هل نستطيع تغيير حساباته؟ والفارق بين السؤالين كبير. قد تستطيع عملية عسكرية أن تحدث صدمة كبيرة، لكنها إذا انتهت بخسائر فلسطينية هائلة، ودمار واسع، وتشدد أكبر داخل المجتمع الإسرائيلي، ثم عادت المعادلة السياسية إلى نقطة قريبة مما كانت عليه، يصبح من المشروع أن نسأل عن الجدوى السياسية مهما كانت النوايا. ولنا في ذلك تجارب ومآسي لا حصر لها. وفي المقابل، قد يبدو العمل السياسي بطيئًا ومملًا وغير قادر على إنتاج الصور الدرامية التي تصنعها الحروب، لكنه عندما يتراكم يمكن أن يغيّر البيئة التي تُصنع فيها القرارات.
وهذا ما يجعل تجربة فلسطينيي الداخل وما أفرزته نتائج الانتخابات جديرة بالتأمل. ليس لأنها تقدم نموذجًا يمكن نقله حرفيًا إلى غزة أو الضفة الغربية؛ فلكل ساحة شروطها السياسية والقانونية المختلفة، وإنما لأنها تقول شيئًا بالغ الأهمية: الفلسطيني ليس مضطرًا إلى أن يكون قويًا بالطريقة التي يريد خصمه أن يكون قويًا بها. إسرائيل متفوقة عسكريًا بصورة ساحقة. ولذلك فإن نقل الصراع باستمرار إلى المساحة التي تمتلك فيها إسرائيل أكبر عناصر تفوقها يستحق، على الأقل، مراجعة استراتيجية عميقة. أما نقل جزء من الصراع إلى مساحات الديمغرافيا والقانون والسياسة والشرعية والرأي العام والمؤسسات، فقد يضع إسرائيل أمام ساحات لا تكون فيها قدرتها على الحسم مماثلة لقدرتها العسكرية. ومن هنا قد تكون دلالة المقاعد التسعة عشر أكبر من الانتخابات نفسها. إنها تطرح على الفلسطينيين سؤالًا ظل مؤجلًا طويلًا: هل نقيس قوة الفعل بحجم الصدمة التي يحدثها، أم بحجم التغيير الذي يتركه؟
فالحروب تصنع أحداثًا كبرى، لكنها لا تصنع دائمًا نتائج كبرى. والسياسة قد تبدو بطيئة، لكنها حين تُدار بذكاء تستطيع أن تراكم أثرًا يصعب التراجع عنه. ربما آن الأوان، إذن، ألا يكون النقاش الفلسطيني محصورًا بين المقاومة وعدم المقاومة، أو بين البندقية والتفاوض. هذه ثنائيات ضيقة لم تعد كافية لفهم عالم شديد التعقيد. وإنما يجب أن يكون النقاش حول الأدوات الأكثر قدرة على تحقيق الحقوق الفلسطينية، وما كلفة كل أداة، وما النتائج التي يمكن الحفاظ عليها بعد انتهاء اللحظة؟وعندها فقط يمكن أن نعيد تعريف القوة. فالقوة ليست دائمًا القدرة على إطلاق النار، وليست في عدد الصواريخ أو حجم الانفجار. القوة، في معناها السياسي الأعمق، هي القدرة على جعل الطرف الآخر يعيد حساباته.
وإذا استطاع تسعة عشر مقعدًا فلسطينيًا أن يجعلوا تشكيل حكومة إسرائيلية، أو استقرارها، أو حسابات أحزابها، أكثر تعقيدًا؛ فإننا نكون أمام قنبلة سياسية من نوع مختلف: قنبلة لا تهدم بيتًا، ولا تقتل إنسانًا، لكنها قد تهز معادلة سياسية كاملة. وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التفكير: ربما لا تكون أكثر الأدوات ضجيجًا هي الأكثر تأثيرًا، ولا أكثرها كلفة هي الأكثر جدوى. وبعد كل ما دفعه الفلسطينيون من أثمان، ربما حان الوقت لأن يصبح السؤال قبل كل فعل سياسي أو عسكري بسيطًا وقاسيًا في آن واحد: ماذا سنحقق، وماذا سندفع، وأي فلسطين ستبقى لنا بعد ذلك؟
