*
جاءت نتائج الانتخابات الإسرائيلية، التي جرت أمس، محمّلة بمفاجآت لم تعكسها استطلاعات الرأي النهائية بالصورة التي ظهرت بها في صناديق الاقتراع. فبدلًا من حسم المنافسة لمصلحة أحد المعسكرين، أعادت النتائج إنتاج المأزق السياسي الإسرائيلي، لكن مع تغيير مهم في موازين القوى: نتنياهو ما زال يمتلك كتلة برلمانية كبيرة، فيما صعدت القوائم العربية لتصبح الحصان الأسود في الانتخابات، والرقم الأصعب في معادلة تشكيل الحكومة المقبلة.
وبحسب النتائج الأولية، قبل استكمال فرز المظاريف المزدوجة، حصل معسكر نتنياهو على 53 مقعدًا، مقابل 48 لمعسكر التغيير، فيما وصلت القوائم العربية إلى 19 مقعدًا. وبذلك، لم يتمكن أي من المعسكرين من الوصول إلى عتبة 61 مقعدًا اللازمة لتشكيل حكومة تحظى بأغلبية برلمانية.
لكن المفاجأة لا تكمن في الحسابات البرلمانية وحدها، بل في الرسائل السياسية التي حملتها صناديق الاقتراع، سواء في المجتمع اليهودي الإسرائيلي أو في المجتمع العربي الفلسطيني داخل إسرائيل.
*نتنياهو الذي لم يسقط*
رغم كل ما تعرض له بنيامين نتنياهو من هجوم سياسي، ورغم تحميل حكومته مسؤولية الإخفاق في منع هجوم السابع من أكتوبر، والخلافات الحادة حول قانون تجنيد الحريديم، والصراع على التعديلات القضائية، فضلًا عن الأزمات الأمنية والسياسية التي رافقت حكمه، فإن الرجل خرج من الانتخابات محتفظًا بقدرة واضحة على استقطاب قطاعات واسعة من الجمهور الإسرائيلي.
فحصول الليكود على 26 مقعدًا، وتقدم معسكر نتنياهو على معسكر التغيير في النتائج الجزئية، يفرضان سؤالًا لا يمكن تجاوزه: كيف يستطيع سياسي يتحمل كل هذه الأعباء والإخفاقات أن يحافظ على موقعه في صدارة المنافسة الحزبية، وأن يبقي معسكره متقدمًا على معسكر التغيير، رغم الإخفاقات التي واجهها؟
لا تكفي الإجابة بالقول إن نتنياهو يمتلك ماكينة حزبية قوية، أو أنه بارع في إدارة المعارك الانتخابية، فهذه عوامل مهمة، لكنها لا تفسر وحدها استمرار قدرته على استقطاب جمهور واسع. ثمة أيضًا قاعدة يمينية ترى في نتنياهو ممثلًا لمشروعها السياسي والأيديولوجي، وتضع القضايا الأمنية والهوية القومية والموقف من الفلسطينيين في صدارة أولوياتها، حتى عندما تتراجع ثقتها بأداء الحكومة في ملفات أخرى.
كما أن جزءًا من هذا الجمهور لا يرى في معسكر التغيير بديلًا سياسيًا مقنعًا، أو لا يثق بقدرته على إدارة الدولة في بيئة إقليمية مضطربة. وهكذا، لا تتحول الإخفاقات بالضرورة إلى خسارة انتخابية حاسمة، ما دام الخصم عاجزًا عن تقديم بديل يجمع هذه القطاعات خلفه.
ومع ذلك، لا تعني النتائج أن نتنياهو خرج منتصرًا بلا خسائر. فحصول معسكره على 53 مقعدًا يضعه دون الأغلبية المطلوبة، فيما تراجع الليكود من 32 مقعدًا في انتخابات 2022 إلى 26 مقعدًا في النتائج الحالية. أي إن الحزب فقد نحو سدس تمثيله البرلماني، من دون أن يفقد موقعه بوصفه الحزب الأكبر حتى الآن.
وهنا تبرز المفارقة: نتنياهو لم ينجح في تأمين أغلبية تحمي استمرار حكمه، لكنه نجح في إثبات أن إخفاقاته لم تفكك قاعدته الانتخابية بالقدر الذي كان خصومه يأملونه.
وهذا يفتح سؤالًا أعمق من مجرد تقييم نتائج الانتخابات: ما الذي يبحث عنه اليمين الإسرائيلي في السياسي الذي يثق به؟ وهل باتت القدرة على تمثيل هويته ومخاوفه ومشروعه السياسي أهم من المحاسبة على الإخفاقات الأمنية والحكومية؟ سؤال ستظل الإجابة عنه مرتبطة بقدرة خصوم نتنياهو على فهم هذا الجمهور، لا الاكتفاء بتعداد أخطاء الرجل.
*العرب: الحصان الأسود في الانتخابات*
إذا كان نتنياهو قد أثبت أنه لم يُهزم انتخابيًا رغم كل ما واجهه، فإن المفاجأة الأبرز جاءت من القوائم العربية التي وصلت، وفق النتائج الجزئية، إلى 19 مقعدًا، في قفزة كبيرة تعيدها إلى قلب المعادلة البرلمانية الإسرائيلية.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية إضافية مع التقديرات الأولية التي أشارت إلى بلوغ نسبة المشاركة في المجتمع العربي نحو 80%، مقابل 77.7% على المستوى العام. وإذا أكد الفرز النهائي هذا الرقم، فستكون المشاركة العربية قد تجاوزت المتوسط العام، في مؤشر لافت إلى حجم التعبئة الانتخابية داخل المجتمع العربي.
ولا يمكن قراءة هذا الصعود بمعزل عن السياق الذي جرت فيه الانتخابات. فقد تصاعدت خلال السنوات الأخيرة سياسات التضييق على المجتمع العربي الفلسطيني داخل إسرائيل، وتفاقمت أزمة الجريمة والعنف، فيما اتسعت في الخطاب السياسي الإسرائيلي النزعات التي تنظر إلى المواطنين العرب باعتبارهم مشكلة ديموغرافية أو تهديدًا لهوية الدولة اليهودية. وبعد السابع من أكتوبر، ازدادت حدة الخطاب والقيود والملاحقات المرتبطة بالمواقف السياسية والتعبير عن التضامن مع الفلسطينيين.
في هذا السياق، تبدو المشاركة العربية المكثفة أكثر من مجرد استجابة لدعوات الأحزاب إلى رفع نسبة التصويت. إنها، في قراءتي، تحمل دلالة احتجاجية واضحة: استخدام صندوق الاقتراع لتأكيد الحضور السياسي والتمسك بحق المشاركة، في مواجهة محاولات التهميش والإقصاء.
لقد أراد اليمين الإسرائيلي، في قطاعات منه، أن يجعل الهوية الفلسطينية للمواطنين العرب سببًا لتقليص شرعيتهم السياسية، لكن ارتفاع المشاركة واتساع التمثيل البرلماني يقدمان رسالة معاكسة: كلما اشتد الضغط على المجتمع العربي، ازدادت أهمية امتلاكه أدواته السياسية، وإن لم يكن ذلك مسارًا آليًا أو مضمونًا في كل انتخابات.
والأهم أن هذه المشاركة لم تكتفِ بزيادة عدد النواب العرب، بل جعلت أصواتهم عنصرًا مؤثرًا في تحديد إمكان تشكيل الحكومة. فمعسكر نتنياهو يقف عند 53 مقعدًا، ومعسكر التغيير عند 48، فيما تمتلك القوائم العربية 19 مقعدًا. وبذلك، يصبح تجاهل الكتلة العربية أكثر كلفة في الحسابات البرلمانية، حتى لو بقيت الأحزاب الصهيونية مترددة في قبول شراكة سياسية معها.
*الاختبار الحقيقي لمعسكر التغيير*
هنا تنتقل الانتخابات من اختبار نتنياهو إلى اختبار خصومه. فمعسكر التغيير الذي رفع شعار إنهاء حكمه يجد نفسه أمام سؤال عملي: هل يستطيع تجاوز تحفظاته الأيديولوجية والسياسية على التعاون مع الأحزاب العربية، والاستفادة من الوزن الذي أفرزته صناديق الاقتراع لتشكيل حكومة أقلية مدعومة عربيًا؟
لقد صرّح النائب أحمد الطيبي بإمكانية دعم حكومة من هذا النوع، لكن الانتقال من التصريح إلى الفعل يتطلب استعدادًا سياسيًا لدى قادة معسكر التغيير لتحمل كلفة هذا الخيار أمام جمهورهم وشركائهم.
فليس من السهل على قادة مثل بينت وليبرمان وأيزنكوت أن ينتقلوا من سنوات من التحفظ على الاعتماد على الأحزاب العربية إلى بناء حكومة يتوقف بقاؤها على دعمها. لكن صعوبة هذا المسار لا تلغي إمكانه، كما أن الدعم من خارج الائتلاف يختلف سياسيًا وقانونيًا عن مشاركة الأحزاب العربية في الحكومة نفسها.
والسؤال الذي تفرضه النتائج ليس ما إذا كان العرب قادرين حسابيًا على التأثير، بل ما إذا كان معسكر التغيير مستعدًا للاعتراف بأن هذا التأثير جزء من قواعد اللعبة البرلمانية، لا عائقًا ينبغي الالتفاف عليه.
لقد منحت القوائم العربية معسكر التغيير فرصة إضافية لمواجهة نتنياهو، لكنها لم تمنحه تلقائيًا حكومة جاهزة. فالأرقام لا تحل وحدها أزمة الثقة، ولا تزيل التناقضات بين مكونات المعسكر، ولا تضمن قبولها بشروط الدعم العربي.
ومن هنا، فإن سلوك قادة معسكر التغيير خلال الأيام المقبلة سيكون كاشفًا لطبيعة أولوياتهم: هل يرون أن الانقسام الصهيوني الداخلي بين نتنياهو وخصومه يستحق تجاوز بعض المحرمات السياسية، أم أن الانقسام الصهيوني العربي يظل أكثر عمقًا من خلافاتهم مع نتنياهو؟
*من يحكم إسرائيل: منطق الأرقام أم حدود الشراكة؟*
لا تضمن نتائج الانتخابات تشكيل حكومة بديلة، كما لا تضمن عودة نتنياهو إلى الحكم. فالمعسكر الذي يتقدم في عدد المقاعد لا يمتلك بالضرورة القدرة على بناء ائتلاف مستقر، خصوصًا عندما تكون الأغلبية مرتبطة بأحزاب يرفض بعض مكوناته التعاون معها.
وقد تفضي المفاوضات إلى حكومة أقلية، أو إلى صيغة وحدة وطنية تحت ضغط استثنائي، أو تنتهي إلى انتخابات جديدة. لكن أيًا يكن المسار، فإن التصويت العربي غيّر نقطة البداية التي ستنطلق منها المفاوضات، وأجبر الأحزاب الإسرائيلية على التعامل مع واقع برلماني لا يمكن حسمه بتفاهمات داخل المعسكرات الصهيونية وحدها.
ويمنح وجود تمثيل عربي واسع في الكنيست فرصة أوسع للتفاوض على مواقع مؤثرة داخل لجانه، كما حدث عام 2015 عندما تولت عايدة توما سليمان رئاسة لجنة مكانة المرأة والمساواة بين الجنسين. وتكتسب هذه السابقة أهمية إضافية في ظل نتائج الانتخابات الحالية، إذ تفتح اتساع التمثيل العربي المجال أمام البحث في إمكانات جديدة للتأثير في عمل الكنيست، سواء من خلال اللجان البرلمانية أو موقع المعارضة. وفي هذا السياق، قد يفتح انضمام نفتالي بينت وغادي آيزنكوت إلى حكومة وحدة مع نتنياهو المجال أمام البروفيسور يوسف جبارين لتولي رئاسة المعارضة، إذا سمحت موازين القوى والترتيبات البرلمانية بذلك. ورغم أن هذا الاحتمال ليس مضمونًا، فإنه يوضح أن وزن الأحزاب العربية قد يتجاوز حسابات تشكيل الحكومة إلى التأثير في بنية المعارضة وآليات الرقابة البرلمانية.
والدلالة الأعمق أن المواطنين العرب استطاعوا، عبر المشاركة الانتخابية، تحويل حضورهم من قضية تتجادل الأحزاب الإسرائيلية حول حدودها إلى عامل يؤثر في حسابات السلطة نفسها. وهذا لا يعني أن النظام السياسي الإسرائيلي تخلى عن تمييزه تجاههم، ولا أن التمثيل البرلماني سيترجم بالضرورة إلى مساواة أو شراكة حقيقية، لكنه يثبت أن التهميش لا يلغي القدرة على التأثير.
في النهاية، تغيّرت الحسابات البرلمانية، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ الآن: هل يتحول الوزن العربي إلى نفوذ سياسي ومؤسسي ملموس، أم تنجح الأحزاب الإسرائيلية في إبقائه محصورًا داخل حدود التمثيل من دون شراكة فعلية في مواقع القرار؟ الإجابة لن تحدد فقط موقع المواطنين العرب في الكنيست المقبل، بل ستكشف أيضًا حدود الشراكة السياسية التي يستطيع النظام الإسرائيلي قبولها.
