تشهد صورة إسرائيل في إيطاليا تراجعًا متسارعًا، وفق ما تكشفه استطلاعات رأي حديثة أظهرت ارتفاع معدلات الانتقادات الموجهة إليها وتزايد الدعوات إلى فرض عقوبات عليها أو حتى قطع العلاقات معها. ويأتي هذا التحول في سياق تداعيات الحرب على غزة والتوترات الإقليمية المتصاعدة، ما يثير تساؤلات بشأن اتساع الفجوة بين المواقف الشعبية والسياسة الرسمية الإيطالية، فضلاً عن الجدل الدائر حول التمييز بين انتقاد السياسات الإسرائيلية ومعاداة السامية.

وأظهر استطلاع أجراه مركز “بيو” للأبحاث ونُشرت نتائجه في يونيو/حزيران، أن ثلاثة أرباع الإيطاليين تقريبًا (75%) يحملون نظرة سلبية تجاه إسرائيل، مقارنة بـ66% في العام السابق. كما عبّر نحو نصف المشاركين (48%) عن مواقف سلبية حادة، في حين لم تتجاوز نسبة أصحاب المواقف الإيجابية 21%.

كما سجل الاستطلاع تراجعًا إضافيًا في ثقة الإيطاليين برئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو؛ إذ أعرب 88% عن ضعف أو انعدام ثقتهم به، مقارنة بـ80% قبل عام، بينما قال 62% إنهم لا يثقون به إطلاقًا.

الحرب وتداعياتها على الرأي العام

وربطت تحليلات إعلامية إيطالية هذا التراجع بالحرب الدائرة في غزة، والعمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، إضافة إلى المواجهة مع إيران وما نتج عنها من تداعيات اقتصادية، أبرزها ارتفاع أسعار الطاقة.

ووفق هذه التحليلات، لم يعد الانتقاد مقتصرًا على الأوساط السياسية أو الحركات التضامنية التقليدية، بل امتد إلى شرائح اجتماعية أوسع، شملت طلابًا وعائلات ومواطنين من توجهات سياسية مختلفة. كما ساهمت حوادث مرتبطة بالسفن والناشطين المتضامنين مع غزة في زيادة حدة الجدل داخل المجتمع الإيطالي.

تأييد متزايد للعقوبات وقطع العلاقات

وأظهرت استطلاعات أخرى تصاعد التأييد لاتخاذ خطوات أكثر تشددًا تجاه إسرائيل. فقد بيّن استطلاع أجرته مؤسسة “إيكسي” في يوليو/تموز أن 61.2% من الإيطاليين يؤيدون قطع العلاقات معها، بما في ذلك نسب مرتفعة داخل أوساط ناخبي اليمين ويمين الوسط.

كما كشف الاستطلاع عن فجوة عمرية واضحة، إذ بلغت نسبة المؤيدين لقطع العلاقات 69% بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا، مقابل 51% فقط بين من تجاوزوا 65 عامًا.

وفي استطلاع منفصل أجرته مؤسسة “يوميترا”، أيد 51.3% من المشاركين فرض عقوبات على إسرائيل، مقابل 17.4% عارضوا ذلك، فيما اعتبر 47% أن معاداة السامية ما زالت تمثل خطرًا حقيقيًا داخل إيطاليا.

قلق إسرائيلي من تراجع التأييد الشعبي

واعترف السفير الإسرائيلي لدى إيطاليا، يوناتان بيليد، بوجود فجوة واضحة بين العلاقات الجيدة التي تجمع بلاده بالحكومة الإيطالية وبين المزاج الشعبي السائد.

وقال إن إسرائيل تحتاج إلى دعم أكبر على مستوى الرأي العام، مشددًا على أهمية تعزيز معرفة الإيطاليين بإسرائيل، خصوصًا في مجالات التكنولوجيا والابتكار والبحث العلمي والتبادل التجاري.

وفي الوقت ذاته، حذر السفير من تصاعد مظاهر معاداة السامية، داعيًا إلى التعامل معها باعتبارها قضية وطنية تتجاوز الانقسامات الحزبية والسياسية.

بين انتقاد إسرائيل ومعاداة السامية

وتكشف نتائج الاستطلاعات عن مشهد أكثر تعقيدًا من مجرد رفض أو تأييد لإسرائيل. فقد أظهرت دراسة أخرى أن نسبة معتبرة من الإيطاليين تؤيد حلاً يقوم على دولتين تتمتعان بحقوق وأمن متساويين، فيما عبّر آخرون عن دعمهم لحق إسرائيل في الوجود مع المطالبة بإنهاء الاحتلال والانسحاب من الأراضي الفلسطينية.

في المقابل، تبنى جزء من المشاركين مواقف أكثر تشددًا تنكر استمرار وجود إسرائيل كدولة، بينما فضّل عدد كبير عدم تحديد موقف واضح من القضية.

الجدل يمتد إلى التعليم والجالية اليهودية

وامتد تأثير هذا المناخ السياسي إلى المؤسسات التعليمية والثقافية، حيث أثارت زيارات لوفود تربوية إسرائيلية وأميركية إلى إيطاليا جدلًا واسعًا واحتجاجات طالبت بإدانة سياسات حكومة نتنياهو.

وأعادت هذه الأحداث فتح النقاش حول حدود الفصل بين المواقف السياسية والهوية الدينية أو القومية، خاصة في ما يتعلق بالجالية اليهودية في إيطاليا، التي عبّر عدد من أفرادها عن شعور متزايد بالعزلة والقلق من ربطهم تلقائيًا بسياسات الحكومة الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، شددت شخصيات عامة وحقوقية على ضرورة التمييز بين انتقاد الحكومة الإسرائيلية وسياساتها من جهة، ومعاداة السامية أو استهداف اليهود بسبب هويتهم من جهة أخرى، محذرة من أن الخلط بين الأمرين قد يؤدي إلى تغذية التوتر والانقسام داخل المجتمع الإيطالي.

شاركها.