أكد الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء، أن ذكر الله من العبادات المميزة التي تتسم بالسهولة والخفة، ولا تستلزم تخصيص وقت طويل لأدائها، إذ يستطيع المسلم المواظبة عليها في مختلف أحواله، مستشهدًا بقول الله تعالى: «فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون» من سورة الأنفال.

وأوضح الدكتور علي جمعة، في بيان له، أن الله سبحانه وتعالى ربط مختلف العبادات بذكره، فجعل الحج والزكاة والصلاة والصيام وغيرها من العبادات مرتبطة بذكر الله، مشيرًا إلى أن مفهوم الذكر أوسع من ذلك، حتى إن القرآن الكريم سُمّي ذكرًا، في قوله تعالى: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون».

وأضاف أن الحديث الشريف ورد فيه: «من شغله القرآن وذكري عن مسألتي أعطيته أحسن ما أعطي السائلين»، موضحًا أن الحديث جمع بين القرآن والذكر، لأن تلاوة القرآن الكريم أحد أنواع ذكر الله سبحانه وتعالى.

وأشار إلى أهمية معرفة الطريق الذي يعين الإنسان على تقوية صلته بالله تعالى، والتدرب على الوصول إلى مرحلة ينشغل فيها بذكر الله عن الانشغال بالدنيا ومسائلها، فيمنحه الله أفضل ما يعطي السائلين، مستشهدًا بقوله تعالى: «واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون».

علي جمعة: «لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله»

وتابع الدكتور علي جمعة أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع قاعدة مهمة في استمرار الذكر، بقوله: «لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله»، لافتًا إلى أن الشريعة الإسلامية قدمت للمسلمين برنامجًا متكاملًا للأذكار يناسب مختلف الأوقات والمواقف.

وأوضح أن الصلاة نفسها تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتسليم، وتتضمن الذكر في جميع مراحلها، ومع ذلك حثت السنة النبوية على مواصلة الذكر بعد الانتهاء منها، مستشهدًا بما ورد في الحديث بشأن التسبيح في دبر كل صلاة، بما يعكس أهمية الذكر ومكانته في حياة المسلم.

ولفت إلى أن اهتمام المسلمين بجمع الأذكار في كتب متعددة جاء انطلاقًا من حرصهم على تدوين ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة من أذكار تناسب مختلف المواقف، موضحًا أن النبي صلى الله عليه وسلم علّم المسلمين أذكارًا عند دخول المسجد والخروج منه، وكذلك عند دخول الخلاء والخروج منه.

ومن بين هذه الأذكار، الدعاء عند دخول المسجد: «اللهم افتح لنا من أبواب رحمتك»، وعند الخروج منه: «اللهم افتح لنا من أبواب فضلك»، وعند دخول الخلاء: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث»، وعند الخروج منه: «غفرانك».

وأكد أن هذه الأذكار بسيطة وسهلة، لكنها تمثل وسيلة لحفظ المسلم وتعويده على دوام الصلة بالله ليلًا ونهارًا، مشيرًا إلى ما ورد في الحديث عن فضل الذكر أثناء الحديث مع الآخرين، حين يتحدث القوم في شؤون الحياة ويظل أحدهم يسبح الله.

وأوضح أن هذا المعنى يُعبّر عنه بقولهم «خلوتهم في جلوتهم»، أي أن يكون قلب الإنسان متعلقًا بالله تعالى حتى وهو بين الناس، مشيرًا إلى أن الذكر يكون بالقلب أو باللسان أو بهما معًا، وأن اللسان يعين القلب على استحضار ذكر الله.

وأضاف أن الإمام النووي أكد أن ذكر اللسان مطلوب حتى إذا لم يكن القلب حاضرًا معه بالقدر الكافي، لأن الذكر يذكّر الإنسان بربه ويعينه على استحضار معاني العبادة، بينما يؤدي الاعتياد على ترك الذكر إلى تفويت فوائده وآثاره، مستشهدًا مجددًا بقوله تعالى: «واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون».

ما هو حد الكثرة والقلة في ذكر الله

واستطرد الدكتور علي جمعة موضحًا أن العلماء تناولوا مسألة حد الكثرة والقلة في ذكر الله، ومتى يمكن القول إن المسلم أكثر من الذكر، مشيرًا إلى أن من أقوالهم في هذا الشأن أن الكثرة لا نهاية محددة لها.

وشدد على أنه لا ينبغي الإنكار على المسلم إذا زاد في الذكر، مؤكدًا أن الإكثار من العبادات ليس بدعة، بل هو أمر مطلوب شرعًا في حدود الطاقة والاستطاعة، لافتًا إلى أن الشيخ عبد الحي اللكنوي ألّف كتابًا بعنوان «إقامة الحجة أن الإكثار من العبادة ليس ببدعة».

واستشهد في هذا السياق بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يمل حتى تملوا»، موضحًا أن بعض العلماء ذكروا أن المواظبة على أذكار السنة تدخل المسلم في حد الإكثار من الذكر، لكن ذلك لا يمنع من الزيادة عليها.

واختتم الدكتور علي جمعة بالتأكيد على أن كلمة «كثيرًا» في قوله تعالى: «واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون» لا تضع حدًا أعلى مغلقًا للإكثار من الذكر، بل تفتح المجال أمام المسلم لزيادة الطاعة وفق قدرته، داعيًا الله تعالى بقوله: «فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك».

شاركها.