لم تكن الخسارة الساحقة للحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي مجرد استفتاء عادي على سياسات الرئيس ترامب الداخلية، بل كانت أيضاً، باعتراف الرئيس نفسه ونائبه، استفتاء على سياساته الخارجية.
في مقابلة مع «فوكس نيوز»، قال ترامب: إن الحرب على إيران أثّرت في تصويت الناخبين وأدت إلى خسارة الانتخابات. أما نائبه جي دي فانس، فقد عزا الخسارة إلى الحرب على إيران والعلاقة مع إسرائيل، مستشهداً باستطلاعات الرأي وتقديرات خبراء الحزب الجمهوري. وقال فانس: إن نسبة المشاركة لم تكن المشكلة، فالذين انتخبوا ترامب وفانس عام 2024 شاركوا بكثافة، لكنهم صوتوا للديمقراطيين. وأضاف: إن أحد أبرز محللي استطلاعات الرأي سأله عما قد يدفع الناخبين الذين تخلوا عن الحزب الجمهوري إلى العودة إليه. وكانت أبرز الإجابات الدعوة إلى إنهاء الحرب على إيران، والتركيز على تكاليف المعيشة، ووضع أميركا أولاً بالفعل، وتغيير العلاقة مع إسرائيل.
وقال فانس: إن الخلافات الداخلية والسجالات حول ما حدث وأسبابه ستكثر، لكن الجميع يعرفون لماذا خسر الحزب، وإن أي نقاش صريح حول ما ينبغي فعله من الآن فصاعداً يجب أن يبدأ من أسباب الخسارة.
وترامب نفسه يُقر بأن دعم إسرائيل أصبح مشكلة للحزب الجمهوري. فقد قال عشية الانتخابات: إن عبد الرحمن السيد، مرشح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميتشيغان، ينتقد إدارته بسبب دعمها المالي لإسرائيل، وإنه قرر وقف هذا الدعم حتى لا يكون سبباً يدفع الناخبين إلى التصويت للسيد.
حتى وقت قريب، كان من النادر أن يجرؤ مرشح للكونغرس على انتقاد إسرائيل علناً أو رفض تمويل حملته من اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة. لكن الانتخابات الحالية أظهرت أن عدداً من المرشحين رفضوا هذا التمويل. ووفق تقرير نشرته رويترز في أيار الماضي، تعهد 102 مرشح ديمقراطي في الانتخابات التمهيدية برفض تبرعات «إيباك» ومنظمات أخرى مؤيدة لإسرائيل. ولا يعكس هذا الرقم الصورة كاملة، إذ يعود إلى ما قبل الانتخابات بعدة أشهر، ولا يبين كم منهم خاض الانتخابات العامة. لكنه يشير إلى أن تبني سياسات إسرائيل بات يشكل عبئاً انتخابياً على بعض المرشحين.
وهناك مؤشر آخر على بداية التراجع في الدعم الأميركي لإسرائيل. فقد صنف أحد مراصد الانتخابات 131 مرشحاً للكونغرس، منهم 105 لمجلس النواب و26 لمجلس الشيوخ، ضمن المعارضين لتقديم السلاح والتمويل الأميركيَّين للحكومة الإسرائيلية. ويعطي هذا الرقم فكرة عن اتساع المعارضة بين المرشحين الذين شملهم الرصد، فيما قد يكون العدد الإجمالي للمعارضين أكبر.
ويتسق هذا الموقف مع نتائج استطلاعَين للرأي في الولايات المتحدة. ففي استطلاع أجرته كلية الحقوق بجامعة ماركيت بين 2 و9 أيلول 2026، قال 55% من الأميركيين: إن بلادهم تقدم لإسرائيل مساعدات عسكرية أكثر مما ينبغي. وفي استطلاع أجراه مجلس شيكاغو للشؤون العالمية تم نشر نتائجه في تشرين الأول، أيّد 56% خفض المساعدات العسكرية لإسرائيل أو وقفها، بواقع 21% أيّدوا خفضها و35% أيّدوا وقفها بالكامل.
ولا يعني هذا أن ترامب سينهي شراكته مع نتنياهو. فقد تكون لهذه الشراكة صلة بكراهيته للعرب والمسلمين، أو بعلاقات ممولي حملته الانتخابية وشركائه في مشاريعه الاستثمارية بحلفاء نتنياهو. وقد تكون لملفات إبستين صلة بذلك أيضاً.
والمهم أن قطاعات من الشارع الأميركي ونخبه الجديدة تبتعد عن تأييد إسرائيل. وقد نشهد خلال السنوات المقبلة عقوبات تفرضها الولايات المتحدة نفسها على إسرائيل بسبب استمرار احتلالها للأراضي الفلسطينية وممارساتها في غزة والضفة الغربية ولبنان وسورية.
ما أظهرته الانتخابات النصفية هو أن انتقاد سياسات إسرائيل بات موقفاً يستطيع مرشحون للكونغرس الدفاع عنه علناً أمام ناخبيهم. وهذا التحول يتيح للفلسطينيين وحلفائهم في الولايات المتحدة توسيع الضغط من أجل وقف تسليح إسرائيل وفرض عقوبات عليها بسبب استمرار الاحتلال. وفي فلسطين، تبقى الأولوية لتعزيز صمود الناس على أرضهم، فيما يستمر العمل لتحويل التأييد الدولي لحقوقهم إلى قرارات قابلة للتنفيذ.