شهدت العلاقات الاقتصادية بين مصر والإمارات خلال العام المالي 20232024 نقلة غير مسبوقة، بعدما قفزت قيمة الاستثمارات الإماراتية في السوق المصرية إلى نحو 38.9 مليار دولار، مقارنة بـ 3 مليارات دولار فقط في العام السابق. 

هذه الطفرة التاريخية لم تكن صدفة، بل جاءت مدفوعة بصفقة “رأس الحكمة” العملاقة التي أبرمت في مارس 2024، وبلغت قيمتها 35 مليار دولار، لتسجل أكبر استثمار إماراتي منفرد في تاريخ مصر.

وبالتزامن مع هذه الأرقام، جاءت زيارة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، إلى القاهرة للقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي، لتشكل رسالة سياسية واقتصادية واضحة بأن الشراكة بين البلدين تدخل مرحلة جديدة أكثر عمقاً وتأثيراً.

صفقة رأس الحكمة.. المحرك الأكبر للنمو

ويؤكد الدكتور عبد الهادي مقبل رئيس قسم الاقتصاد بكلية الحقوق بجامعة طنطا، أن صفقة رأس الحكمة التي ضخت نحو 35 مليار دولار في مارس 2024 كانت الشرارة التي أطلقت هذه الطفرة. ويعتبرها أكبر استثمار إماراتي منفرد في تاريخ السوق المصرية، ما يعكس الرؤية الاستراتيجية المشتركة بين القاهرة وأبوظبي في دعم مشروعات نوعية، خصوصاً في القطاعات العقارية والسياحية والبنية التحتية.

ثقة إماراتية في قوة الاقتصاد المصري

ولم يكن ضخ هذا الكم من الأموال إلا انعكاساً لثقة الإمارات في قوة الاقتصاد المصري وقدرته على الصمود رغم التحديات. ويرى مقبل أن دخول استثمارات بهذا الحجم سيؤدي إلى:

تعزيز احتياطي النقد الأجنبي.

دعم استقرار سعر صرف الجنيه المصري.

توفير آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.

تحفيز قطاعات حيوية مثل السياحة، العقارات، والخدمات اللوجستية.

ويعتبر الخبراء أن هذه الاستثمارات لا تنعكس فقط على الاقتصاد المصري، بل تمنح المستثمر الإماراتي أيضاً فرصاً فريدة في سوق يضم أكثر من 110 ملايين نسمة، إضافة إلى موقع جغرافي استراتيجي يربط إفريقيا بالشرق الأوسط وأوروبا.

ويرى مقبل أن هذه الاستثمارات الضخمة تمثل دليلاً واضحاً على ثقة الإمارات في استقرار الاقتصاد المصري وقدرته على تحقيق عوائد مستدامة. كما يشير إلى أن هذه التدفقات المالية ستسهم في تعزيز احتياطي النقد الأجنبي ودعم استقرار العملة المصرية خلال المرحلة المقبلة، بما ينعكس إيجابياً على مختلف المؤشرات الاقتصادية.

شراكة استراتيجية راسخة

العلاقات بين القاهرة وأبوظبي، بحسب مقبل، هي نموذج للشراكة العربية المتكاملة، إذ تجمعها روابط سياسية واقتصادية راسخة تقوم على التعاون وتبادل المصالح. هذه الروابط تجعل من الاستثمارات الإماراتية في مصر أكثر من مجرد أرقام مالية، بل ترجمة عملية لعمق العلاقات وتوافق الرؤى في دعم مسيرة التنمية الإقليمية.

مصر.. وجهة استثمارية واعدة

ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن مصر تتمتع بمقومات تجعلها سوقاً استثمارية جاذبة، بفضل موقعها الجغرافي المتميز، وسوقها المحلي الضخم، والمشروعات القومية العملاقة التي تنفذها الدولة. هذه العوامل مجتمعة تجعلها وجهة مفضلة للمستثمرين الباحثين عن فرص طويلة الأمد ذات عوائد عالية.

التبادل التجاري.. نمو متسارع

ولم تقتصر العلاقات الاقتصادية بين البلدين على الاستثمار المباشر فقط، بل شهد التبادل التجاري طفرة ملحوظة. فقد ارتفعت قيمة التجارة البينية بنسبة 31.6% لتسجل نحو 6 مليارات دولار عام 2024، مقارنة بـ 4.5 مليار دولار في 2023.
وجاء هذا النمو مدفوعاً بزيادة الصادرات المصرية إلى الإمارات بنسبة 46.9%، لتبلغ 3.3 مليار دولار، بينما ارتفعت الواردات بنسبة 16.8% لتصل إلى 2.7 مليار دولار.

أبرز الصادرات المصرية إلى الإمارات:

اللؤلؤ والأحجار الكريمة والحلي: 2.1 مليار دولار.

الآلات والأجهزة الكهربائية: 293 مليون دولار.

الخضار والفواكه: 206 ملايين دولار.

الوقود والزيوت المعدنية: 106 ملايين دولار.

الملابس الجاهزة: 68 مليون دولار.

أبرز الواردات المصرية من الإمارات:

النحاس ومصنوعاته: 750 مليون دولار.

اللدائن: 486 مليون دولار.

الوقود والزيوت المعدنية: 473 مليون دولار.

الورق ومصنوعات عجائن الورق: 125 مليون دولار.

الأسماك والقشريات والرخويات: 102 مليون دولار.

زيارة محمد بن زايد.. رسالة ثقة وتوسع

جاءت زيارة الشيخ محمد بن زايد إلى القاهرة في هذا التوقيت لتؤكد أن العلاقات بين البلدين لا تتوقف عند حدود الاستثمارات أو الأرقام الاقتصادية، بل تعكس شراكة استراتيجية راسخة.
الزيارة حملت رسائل واضحة:

دعم الإمارات الكامل لمصر في مسارها التنموي.

فتح آفاق جديدة لمزيد من الاستثمارات الخليجية في السوق المصرية.

تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي بما يخدم استقرار المنطقة.

ولفت مقبل إلى أن زيارة الشيخ محمد بن زايد الأخيرة إلى القاهرة تمثل رسالة سياسية واقتصادية قوية، تؤكد حرص القيادة الإماراتية على تعزيز شراكاتها مع مصر، وفتح الباب أمام مزيد من الاستثمارات الخليجية، بما يدعم النمو الاقتصادي ويوفر آلاف فرص العمل.

مصر.. وجهة استثمارية واعدة

ويمثل المشهد الحالي دليلاً على أن مصر باتت وجهة مفضلة لرؤوس الأموال الخليجية والأجنبية، بفضل:

موقعها الجغرافي الذي يربط ثلاث قارات.

سوقها الداخلية الضخمة التي تضم أكثر من 110 ملايين مستهلك.

المشروعات القومية العملاقة مثل العاصمة الإدارية الجديدة وشبكات الطرق.

السياسات الحكومية التي تستهدف تحسين مناخ الاستثمار.

هذه المقومات تجعل من مصر بيئة مثالية للاستثمارات طويلة الأمد، وهو ما أدركته الإمارات سريعاً وسعت لترسيخ وجودها بقوة.

شراكة تتجاوز الأرقام

العلاقات المصرية الإماراتية لا يمكن اختزالها في أرقام استثمارات أو حجم تجارة. فهي شراكة ممتدة تقوم على الثقة والتكامل والتعاون. ويرى الخبراء أن ما يجري اليوم هو امتداد لمسيرة طويلة من الدعم المتبادل، حيث لطالما لعبت الإمارات دوراً محورياً في دعم الاقتصاد المصري، في حين تمثل مصر أحد أهم الأسواق والشركاء الاستراتيجيين للإمارات في المنطقة.

 

ما بين صفقة “رأس الحكمة” العملاقة، والارتفاع القياسي في حجم التبادل التجاري، وزيارة الشيخ محمد بن زايد للقاهرة، يمكن القول إن العلاقات الاقتصادية بين مصر والإمارات تدخل مرحلة جديدة تحمل الكثير من الفرص والوعود.
هذه الشراكة، التي تجمع بين عمق العلاقات السياسية والثقة الاقتصادية المتبادلة، ليست فقط رافعة للتنمية في البلدين، بل أيضاً نموذج للعلاقات العربية الناجحة القادرة على إحداث فارق في مستقبل المنطقة.
وبينما يترقب المستثمرون والخبراء الخطوات المقبلة، يبقى المؤكد أن مصر اليوم أكثر من أي وقت مضى وجهة استثمارية واعدة، وأن الإمارات شريك استراتيجي ثابت في رحلة التنمية المصرية.

شاركها.