كتب- محمود الهواري:
12:49 م
13/01/2026
تعديل في 12:58 م
نجح مفاعل الاندماج النووي الصيني EAST، المعروف إعلاميا باسم “الشمس الاصطناعية”، في تحقيق اختراق علمي جديد بعد تمكنه من الحفاظ على استقرار البلازما عند كثافات عالية للغاية، متجاوزا واحدة من أبرز العقبات التي واجهت تطوير الاندماج النووي لعقود طويلة، في إنجاز قد يقرب البشرية من عصر الطاقة النظيفة شبه غير المحدودة.
تجاوز نطاق التشغيل التقليدي
وبحسب بيان صادر عن الأكاديمية الصينية للعلوم، دفع العلماء في مفاعل EAST البلازما إلى ما يتجاوز نطاق التشغيل المعتاد، مع الحفاظ على استقرارها، وهو ما كان يعد سابقا تحديا رئيسيا في مجال مفاعلات الاندماج النووي من نوع التوكاماك.
ويمثل هذا التقدم خطوة مهمة نحو توسيع قدرات هذه المفاعلات، التي يعول عليها مستقبلا كمصدر مستدام للطاقة.
كثافات غير مسبوقة للبلازما
وقال الباحث الرئيسي المشارك في الدراسة، بينغ تشو، أستاذ الهندسة الكهربائية والإلكترونية بجامعة العلوم والتكنولوجيا في الصين، إن النتائج تشير إلى “مسار عملي وقابل للتطوير لتوسيع حدود الكثافة في أجهزة التوكاماك وأجهزة اندماج البلازما المحترقة من الجيل التالي”.
وأوضح أن المفاعل تمكن من الحفاظ على استقرار البلازما عند كثافات تراوحت بين 1.3 و1.65 ضعف حد غرينوالد، وهو الحد الذي كان يعتقد أن تجاوزه يؤدي حتما إلى عدم الاستقرار.
لماذا يعد الاندماج النووي مهما؟
ينظر إلى الاندماج النووي باعتباره مصدرا محتملا لـ طاقة نظيفة شبه غير محدودة، إذ لا ينتج كميات كبيرة من النفايات النووية، ولا يطلق انبعاثات غازات دفيئة ناتجة عن حرق الوقود الأحفوري.
وقد نشرت نتائج هذا الإنجاز في الأول من يناير بمجلة Science Advances، ما عزز آمال الباحثين في إمكانية تسخير هذه التكنولوجيا خلال العقود المقبلة.
طريق طويل رغم التقدم
ورغم هذا الاختراق، لا يزال الاندماج النووي في مرحلة تجريبية إلى حد كبير، إذ إن المفاعلات الحالية تستهلك طاقة تفوق ما تنتجه.
وفي الوقت نفسه، يؤكد علماء المناخ ضرورة خفض الانبعاثات فورا لمواجهة آثار تغير المناخ المتسارعة، ما يجعل الاندماج النووي حلا مستقبليا أكثر منه علاجا فوريا للأزمة الحالية.
كيف تعمل مفاعلات الاندماج النووي؟
تعتمد مفاعلات الاندماج على دمج ذرتين خفيفتين لتكوين ذرة أثقل، في عملية تطلق طاقة هائلة تشبه ما يحدث داخل الشمس.
ولأن الضغط داخل الشمس يفوق بكثير ما يمكن تحقيقه على الأرض، يلجأ العلماء إلى تسخين البلازما إلى درجات حرارة أعلى بكثير مع حصرها باستخدام مجالات مغناطيسية قوية.
مفاعل EAST وحد غرينوالد
يعد EAST مفاعل توكاماك مغناطيسيا مصمما للحفاظ على احتراق البلازما لفترات طويلة، إذ من أبرز التحديات التي واجهت هذا النوع من المفاعلات ما يعرف بـ حد غرينوالد، حيث يؤدي تجاوز كثافة معينة للبلازما إلى فقدان الاستقرار وتوقف التفاعل.
ورغم أن زيادة الكثافة تحسن فرص التصادم بين الذرات وتقلل تكلفة الطاقة، فإن عدم الاستقرار كان دائما العائق الأكبر.
كيف تم تجاوز العائق؟
نجح باحثو EAST في تجاوز هذا الحد عبر التحكم الدقيق في ضغط غاز الوقود الأولي وتسخين رنين السيكلوترون الإلكتروني، وهو التردد الذي تمتص عنده إلكترونات البلازما الموجات الدقيقة، بينما سمح هذا التوازن بالحفاظ على بلازما مستقرة عند كثافات تفوق الحد النظري المعروف.
لم تكن هذه المرة الأولى التي يتم فيها تجاوز حد غرينوالد؛ إذ نجح مفاعل DIII-D الأمريكي في ذلك عام 2022، كما تمكن باحثون في جامعة ويسكونسن-ماديسون عام 2024 من تحقيق كثافات أعلى باستخدام جهاز تجريبي.
إلا أن إنجاز EAST تميز بتمكين الباحثين من الوصول إلى حالة تعرف نظريا باسم “نظام انعدام الكثافة”، حيث تظل البلازما مستقرة رغم زيادة الكثافة، اعتمادًا على نظرية التنظيم الذاتي للبلازما والجدار (PWSO).
نحو مفاعلات اندماج مستقبلية
يسهم التقدم الذي حققه مفاعل EAST، إلى جانب أبحاث مماثلة في الولايات المتحدة، في دعم تطوير مفاعلات اندماج مستقبلية، من بينها مشروع المفاعل التجريبي النووي الحراري الدولي (ITER) المقام في فرنسا، بمشاركة عشرات الدول.
ومن المتوقع أن يبدأ مفاعل ITER إنتاج تفاعلات اندماج نووي كاملة النطاق بحلول عام 2039، في خطوة قد تمهد الطريق لمحطات طاقة اندماجية تجارية في المستقبل.
