قبل اسبوع ابلغتني شقيقتي الدكتورة مروة المقيمة في القاهرة انه تم اختيار الدكتور على عبدالحميد شعت رئيساً للجنة التكنوقراط لإدارة الحكم في قطاع غزة , واليوم يتم اعلان تشكيل اللجنة رسمياً لكي تتولى ادارة قطاع غزة بالتنسيق مع الوسطاء ومجلس السلام والسلطة الفلسطينية .
قلت للدكتورة مروة معلقاً على رسالتها قبل اسبوع ” أعان الله جارنا وصديقنا على شعت < على هذه المهمة التي لايحسد عليها , لانها مهمة صعبة وقاسية في ظل التعقيدات الامنية والسياسية والإنسانية غير المسبوقة التي يشهدها قطاع غزة، بسبب الدمار الواسع الذي احدثته آلة الحرب الاسرائيلية .
الدكتور شعت الذي تربطني به أخوة وصداقة على امتداد 60 عاماً مضت بحكم الجيرة والقرابة والنسب , لديه خبرة طويلة في العمل الميداني منذ تولي السلطة الفلسطينية ادارة الضفة وغزة في العام 1993 وعمل في مواقع حكومية متعددة تجعله الانسب لتولي رئاسة هذه اللجنة , فهو ابن خانيونس الذي يعرف خبايا الامور منذ عهد الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وقريب من الناس لتواضعه وبساطته .
إن تشكيل لجنة تكنوقراط مستقلة لإدارة الحكم في قطاع غزةبوصفها خياراً عملياً وواقعياً للخروج من حالة الانسداد الراهنة. فبعد سنوات من الانقسام، وتداعيات العدوان الاسرائيلي الذي اسفر عن تدمير قطاع غزة ومؤسساته ومساكنه ومرافقه المدنية والخدمية ومقتل واصابة ربع مليون فلسطيني، بات القطاع بحاجة إلى إدارة مهنية تضع مصلحة المواطن الفلسطيني فوق الاعتبارات السياسية والفصائلية.
إدارة محايدة تركز على احتياجات الناس
تتمثل الأهمية الأولى للجنة التكنوقراط في كونها هيئة غير حزبية، تضم خبراء مختصين في الإدارة، والاقتصاد، والصحة، والخدمات، والتعليم ما يمنحها القدرة على التعامل مع الملفات اليومية الشائكة بروح مهنية بعيدة عن الاستقطاب السياسي. هذا الحياد من شأنه أن يعيد الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم، ويخفف من حدة الاحتقان الداخلي.
تحسين الأداء الخدمي وإعادة الإعمار
الكل يعلم ان قطاع غزة يعاني من تدهور واسع في البنية التحتية والخدمات الأساسية. وجود لجنة تكنوقراط يتيح وضع خطط عاجلة لإعادة الإعمار، وإدارة المساعدات الإنسانية بكفاءة وشفافية، وضمان وصولها إلى مستحقيها بعيداً عن أي توظيف سياسي. كما تسهم الإدارة المهنية في تحسين أداء القطاعات الحيوية مثل الصحة والكهرباء والمياه والتعليم.
تسهيل الانفتاح الإقليمي والدولي
تحظى هذه اللجنة عادة بقبول أوسع لدى المجتمع الدولي والمؤسسات المانحة، لكونها تركز على الإدارة الرشيدة والحوكمة. ومن شأن تشكيل لجنة تكنوقراط في غزة أن يسهم في فتح قنوات الدعم الإنساني والاقتصادي، ويعزز فرص التعاون مع الأطراف الإقليمية والدولية الداعمة لاستقرار القطاع.
تمهيد الطريق لحل سياسي شامل
لا يُنظر إلى لجنة التكنوقراط بوصفها بديلاً دائماً عن حل الدولتين، بل كمرحلة انتقالية ضرورية تهيئ الأجواء لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني. فنجاح هذه اللجنة في إدارة شؤون غزة يمكن أن يخلق مناخاً أكثر استقراراً، يساعد على استئناف الحوار الوطني، ويمهد لإجراء إصلاحات سياسية وانتخابات شاملة في المستقبل القريب.
تعزيز مبدأ الفصل بين السياسة والإدارة
من أبرز مكاسب هذا الخيار تكريس مبدأ الفصل بين القرار السياسي والإدارة التنفيذية، وهو مبدأ أثبت نجاحه في العديد من التجارب الدولية. فإسناد إدارة الشأن العام إلى خبراء مختصين يرفع كفاءة الأداء، ويحد من الفساد وسوء الإدارة، ويضمن استمرارية العمل المؤسسي حتى في أوقات الأزمات.
إن تشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة الحكم في قطاع غزة يمثل خطوة واقعية نحو تخفيف المعاناة الإنسانية، واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار، وبناء نموذج إدارة قادر على التعامل مع التحديات المعقدة بعيداً عن التجاذبات السياسية. ورغم أن هذا الخيار لا يغني عن الحل السياسي الشامل الذي يجب ان ينتهي بقيام دولة فلسطينية على ارض القطاع والضفة والقدس الشرقية ، فإنه قد يشكل جسراً ضرورياً لعبور المرحلة الأصعب، ووضع القطاع على مسار أكثر أملاً واستدامة .
