لم تعد آثار الحرب الأخيرة على قطاع غزة مقتصرة على الدمار العمراني والخسائر المادية، بل امتدت لتضرب في عمق البنية الاجتماعية والاقتصادية، مخلّفة واحدة من أخطر الأزمات المزمنة: بطالة الشباب. ففي قطاع يعاني أصلًا من هشاشة اقتصادية وقيود طويلة الأمد، جاءت الحرب لتقضي على ما تبقى من فرص العمل، وتدفع آلاف الشبان إلى دائرة البطالة القسرية وانعدام الأفق.

يقول محمود (24 عامًا)، وهو خريج جامعي: «قبل الحرب كنت أعمل في مقهى بسيط وأعتمد على دخلي لتأمين احتياجاتي اليومية. اليوم لا عمل ولا بدائل، أقدّم على وظائف لا وجود لها، وأشعر أنني عالق في مكان لا يمنح فرصة للحياة». تجربة محمود ليست حالة فردية، بل تعكس واقعًا عامًا، إذ تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2025 إلى أن معدلات بطالة الشباب في غزة تجاوزت 55%، وهي من أعلى النسب عالميًا.

تعاني غزة من اختلالات اقتصادية بنيوية سبقت الحرب، أبرزها القيود المفروضة على حركة الأفراد والبضائع، وضعف الاستثمار، وانكماش القطاع الخاص. ومع اندلاع الحرب، تعرّضت الورش والمصانع والمكاتب القليلة التي كانت تشكّل مصدر رزق لآلاف الأسر للتدمير أو التوقف الكامل. وتؤكد وزارة العمل الفلسطينية أن فرص التشغيل تقلّصت بشكل غير مسبوق، رغم محاولات تنفيذ برامج تشغيل مؤقت بدعم من مؤسسات دولية.

رانيا (22 عامًا)، خريجة تصميم جرافيك، تشير إلى أن البحث عن عمل أصبح مهمة شبه مستحيلة في ظل غياب السوق وانقطاع الإنترنت المتكرر. أما أحمد، خريج التعليم المهني، فقد فقد ورشة تصليح إلكترونيات كان يعتمد عليها كمصدر دخله الوحيد، ويقول: «نعيش اليوم على أعمال متفرقة لا توفّر الحد الأدنى من الاستقرار».

ورغم إطلاق برامج دولية للتشغيل والتدريب المهني، إلا أن بطء عملية الإعمار، ونقص التمويل، واستمرار القيود المفروضة، تحدّ بشكل كبير من أثر هذه المبادرات. ويقدّر البنك الدولي أن استعادة مستويات التشغيل إلى ما كانت عليه قبل الحرب قد تستغرق سنوات، في حال توفرت الظروف السياسية والاقتصادية الملائمة.

في مواجهة هذا الواقع القاتم، يتجه بعض الشباب إلى العمل الحر عبر الإنترنت أو إطلاق مبادرات صغيرة كوسيلة للبقاء، بينما يحذر مختصون من تصاعد الآثار النفسية والاجتماعية، مثل القلق المزمن وفقدان الأمل والإحباط الجماعي.

في غزة، لا يعني الإعمار إعادة بناء المنازل والبنية التحتية فقط، بل إنقاذ جيل كامل من البطالة والتهميش. فبدون فرص عمل حقيقية ومستدامة، سيبقى مستقبل الشباب معلّقًا بين البقاء القسري في واقع مسدود، أو الهجرة القسرية بحثًا عن حياة ممكنة.

شاركها.