صدمتني تعليقات الكثيرين على حادثة وفاة خمسة أبناء فى واحدة من مناطق محافظة القليوبية وبالتحديد فى بنها .
كل التعليقات كانت تحمل الأبوين المغتربين فى الولايات المتحدة مسئولية هذا الحادث الأليم الناتج عن تسرب الغاز وإختناق الأبناء الخمسة.
الحزين أن الكل تعامل مع الحادث بمنطق أن الأبوين جشعين وذهبا بحثا عن المال وتركا أبناءهم يقتلهم الموت بالغاز .
والأغرب أن كل التعليقات إنصبت على إنتقاد ان لم يكن إهانة وتجريح الأبوين المكلومين ؛ ومن منطلق أننى ذقت طعم فقد إبنى البكر أمجد ذو السنوات الستة عشر فأقول لهؤلاء لن تشعروا بألم هذه الأم التى تشغل منصب أستاذة جامعية فى امريكا وزوجها كذلك لأنكم لم تعيشوا ألمها وتوديعها ميراث عمرها الذى ذهبت من أجل توفير حياة أفضل لهم الى آخر الدنيا وتحملت ألا تراهم أمام عينيها ليل نهار ، هذه الأم كان يجب مواساتها لا أن تهجموا عليها وتنهشوا عظمها قبل لحمها لدرجة أن بعض المعلقين كتب يقول : رحتى مع جوزك عشان تحاصريه وميبصش بره طيب اديكى فقدتى كل ولادك وهو طبعا هيتجوز ويسيبك عشان يخلف لانك أكيد خلاص مفكيش للخلفه .. تخيلوا قسوة التعليق وجبروت الكلمات ، ماذا حدث لمجتمعنا ؟ أين الرحمة ؟ بل أين أدب المواساة وشد عضد أخيك فى أزمته ؟
تابعت منذ أول وهلة كل مايتعلق بهذا الحادث وانخلع قلبى من بين ضلوعى ألما وحزنا على هذه الأم وهذا الأب واسترجعت يوم وفاة إبنى وإحساسى وقتها ، كم كان شعورا لايوصف ولاينتهى بمرور الزمان بل يتأجج مع الوقت ويزداد التهابا وحزنا ، فكل الآلام يداويها الزمان إلا فقد الإبن ، فالزمان عدوا لأبويه لايتركهما أبدًا وخاصة الأم فهى تغرق فى دوامة الذكريات والمناسبات والأحداث وتغرف المزيد والمزيد من الحزن والألم والمرار الطافح كما كان يقول الفنان أحمد مكى.
فقد الأبناء ياسادة لايعوضه شيئ فى هذه الدنيا فعوضه فى الاخرة بلقاء الابن والعيش معه فى حياة أبدية لافقد فيها ولا ألم ولا حزن ولا وداع .
نعود الى من ألقى اللوم والمسؤلية على الأبوين وأقول لهما كفوا ألسنتكم وأيديكم عنهم فيكفيهم مافيه وأسألكم هل تعرفون ظروفهم ؟ هل تدركون أسباب تركهم لأولادهم بمفردهم ؟ وهل عشتم مثلهم لحظات القلق والخوف عليهم ؟ وهل كنتم مكانهم وهم يحسبون الايام والليالي لعودتهم لأبناءهم محملين بكل ماكانوا يريدونه وصعبت عليهم وظائفهم فى بلادهم مصر أن تجعلهم يحققون هذه المطالب ؟ وهل كنتم معهم وهم يرسمون مستقبل هؤلاء الأبناء ويدخرون بل ويحرمون أنفسهم من كل مالذ وطاب من أجلهم ومن أجل إسعادهم ؟ هل ستشاركوهم احزانهم الان وغذا وبعد غد وبعد عام وأعوام من الحزن الذى سيتضاعف وربما يقضى عليهم ويلحقوا بأبناءهم ؟ هل ستعودون معهم الى بيوتهم وتعيشون لحظات فتح الابواب والبيوت خاوية من أبناءهم ؟
هل ستخففوا عنهم ألامهم وهم يتحسسون ثياب أبناءهم بل وكل قطعة من جسدهم ارتمى فيها هؤلاء الأبناء واحتضنوها مع أبويهم ؟ هل سيعود بكم الزمان معهم لتتدكروا مناسبات عاشوها معا ؛ أعياد ميلادهم ، عيد الفطر ، عيد الأضحى ، شم النسيم ، رمضان ، وغيرها من المناسبات التى تحمل ذكريات جميلة مع الاباء وأولادهم ؟ هل ستتحملون عوضا عنهم ألم حضور أفراح أقران أبناءهم وتجلسون وأنتم تتمنون أن يكون ابنكم هو هذا العريس أو تلك العروسة ؟ هل ستعيشون معهم سماع إصوات أبناءهم فى أذانهم وجريهم اليهم على أمل أنهم مازالوا على قيد الحياة ؟
هل ستشاركوهم أحلامهم وهم يروا أبناءهم ويسعدون معهم فى المنام وعندما يستيقظون يفيقوا على واقع أليم ومحزن بأن مارأوه كان حلما وعليهم أن يتأقلموا مع نار الفقد وألم الفراق ؟ هل ستصبحون مثلهم وهم يتمنون الموت لأن الحياة لم تعد لها طعم ولا هدف بدون فلذات أكبادهم ؟ ألف هل وألف استفهام وألف وجع وألف آهة يغلفها دعاء بألا تعيشوا مثلما يعيش من فقد إبنه … واتساءل الان هل الغربة كانت رحمة بالاباء حتى لايعيشوا هذه اللحظة وجها لوجه أم أن لله فى ذلك حكمة ؟.
