أظهر استطلاع رأي حديث حالة استياء واسعة من آليات إدارة معبر الكرامة، لا سيما نظام الـVIP وما يخلّفه من مظاهر عدم عدالة وزيادة في الازدحام، مقابل إجماع شعبي على ضرورة فتح المعبر على مدار الساعة، وتنامي المطالبة ببدائل جوهرية للإدارة الحالية، تشمل الإشراف الدولي أو تعزيز الدور الفلسطيني.
في استطلاع حديث أعدّه الدكتور نبيل كوكالي ونشره المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي، وأُجري بين 10 و17 كانون الثاني 2026 على عينة عشوائية من 350 مواطنًا من مختلف محافظات الضفة الغربية، جرى قياس اتجاهات الرأي العام تجاه أزمة الازدحام على جسر الملك حسين، وأسبابها وتداعياتها الإنسانية والاقتصادية، إضافة إلى مواقف المواطنين من الحلول والبدائل المقترحة، بهدف دعم سياسات تكفل حرية الحركة وكرامة المسافرين.
قال الدكتور نبيل كوكالي إن نتائج الاستطلاع تكشف بوضوح عن عمق أزمة جسر الملك حسين، باعتبارها أزمة ذات أبعاد سياسية وإنسانية تتجاوز الجانب التشغيلي، وتمسّ بشكل مباشر حق الفلسطينيين في حرية الحركة وكرامتهم أثناء السفر، مشيرًا إلى أن 94% من المستجيبين يؤيدون فتح المعبر على مدار 24 ساعة، بينما يؤكد 83% أن الازدحام يقيّد حريتهم في التنقل ويُفاقم معاناتهم الإنسانية، ما يستدعي حلولًا جذرية تشمل تحسين الخدمات وإعادة النظر في نظام الـ VIP لضمان إدارة عادلة للمعبر.
أسباب أزمة الازدحام وتداعياتها على سفر الفلسطينيين
تشير نتائج الاستطلاع إلى أن غالبية المبحوثين يعزون أزمة الازدحام المتكررة على جسر الملك حسين (معبر الكرامة) إلى عوامل سياسية وأمنية بالدرجة الأولى. فقد أفاد 40.3% بأن الأسباب الأمنية الإسرائيلية تمثّل السبب الرئيسي للأزمة، فيما رأى 36.3% أن الازدحام ناتج عن ضغوط سياسية تُمارس على السلطة الفلسطينية. في المقابل، أشار 19.1% إلى ضعف التنسيق بين الأطراف الفلسطينية والأردنية والإسرائيلية، بينما أفاد 4.3% بعدم معرفتهم بالسبب الرئيسي
وعلى مستوى التأثيرات، أظهرت النتائج أن الأزمة تنعكس بشكل مباشر على تجربة السفر، إذ أفاد 49.7% بأن الازدحام يقيّد حرية الحركة والتنقل، بينما رأى 33.7% أنه يفاقم المعاناة الإنسانية والاقتصادية للمسافرين. كما أشار 10.6% إلى أن الأزمة تُضعف الثقة بالحلول السياسية، في حين أفاد 6.0% فقط بأنها لا تؤثر كثيرًا. وتؤكد هذه النتائج أن أزمة الازدحام تتجاوز بعدها الخدمي لتطال أبعادًا إنسانية وسياسية أوسع.
تقييم أداء معبر الكرامة ومستوى تلبية الاحتياجات
و حول مدى تلبية معبر الكرامة لاحتياجات المسافرين. أظهرت النتائج أن 47.0% يرون أن المعبر لا يلبي احتياجات المسافرين، مقابل 32.3% أفادوا بأنه يلبيها إلى حد ما، في حين رأى 14.7% فقط أنه يلبي الاحتياجات بشكل كافٍ. كما أفاد 6.0% بعدم قدرتهم على التقييم.
وتعكس هذه النتائج فجوة واضحة بين الحد الأدنى المتوقع من احتياجات المسافرين الفلسطينيين والواقع الخدمي والتشغيلي القائم، بما يبرز الحاجة إلى تحسينات جوهرية في آليات العمل والخدمات داخل المعبر.
نظام الـ VIP بين العدالة والازدحام
تُظهر نتائج الاستطلاع أن نظام الـ VIP في معبر الكرامة يثير جدلًا واسعًا بين المسافرين من حيث العدالة والأثر العملي. فقد اعتبر 53.5% من المستجيبين أن النظام غير عادل ويميز بين المسافرين، مقابل 28.1% رأوا أنه مقبول لكنه يحتاج إلى تنظيم أفضل، فيما اعتبره 14.7% ضروريًا لتنظيم الحركة داخل المعبر. وأفاد 3.7% بعدم قدرتهم على تقديم تقييم واضح.
وعند الربط بين نظام الـ VIP ومستوى الازدحام، أفاد 52.1% من المبحوثين بأن هذا النظام يسهم في زيادة الازدحام، مقابل 43.3% رأوا أنه يساعد في تقليله، فيما أفاد 4.6% بعدم امتلاكهم رأيًا محددًا، وهو ما يعكس انقسامًا واضحًا في التقييم، مع ميلٍ نسبي نحو اعتباره عاملًا مُفاقمًا للأزمة.
أما فيما يتعلق بالموقف من إلغاء نظام الـ VIP، فقد أظهرت النتائج أن 56.7% من المستجيبين يعارضون إلغاءه، مقابل 36.4% يؤيدون الإلغاء، فيما أفاد 6.9% بعدم امتلاكهم رأيًا محددًا. وتعكس هذه المعطيات حالة من التباين في المواقف، حيث يرفض جزء من المسافرين إلغاء النظام بشكل كامل، رغم الانتقادات الواسعة الموجهة إليه، ما يشير إلى الحاجة لإعادة تقييمه وإصلاحه بدل الإبقاء عليه بصيغته الحالية أو إلغائه دون بدائل واضحة.
الحلول والبدائل المقترحة لإدارة معبر الكرامة ودور الرقابة الدولية
تُظهر نتائج الاستطلاع ميلًا واضحًا لدى الرأي العام الفلسطيني نحو حلول تشغيلية وإدارية من شأنها الحد من استخدام معبر الكرامة كأداة ضغط سياسي، وفي مقدمتها تشغيل المعبر على مدار 24 ساعة يوميًا، الذي اعتبره 38.6% الحل الأمثل لتقليل الازدحام وتحسين انتظام حركة السفر، إلى جانب تعزيز استقلالية الجانب الفلسطيني في إدارة المعابر23.4% وتعزيز التنسيق الفلسطيني–الأردني 14.6%
وفي هذا السياق، يبرز الجدل حول الرقابة الدولية بوصفها أحد البدائل المطروحة، حيث أظهر الاستطلاع انقسامًا واضحًا في المواقف حيال تأثيرها المحتمل على سياسات إسرائيل تجاه حرية حركة الفلسطينيين. فقد رأى 41.1% من المبحوثين أن الرقابة الدولية قد تؤدي إلى تشديد القيود، في حين اعتبر 18.3% أنها قد تسهم في تخفيف القيود بدافع الضغوط الدولية، بينما رأى 34.6% أنها لن تُحدث تأثيرًا ملموسًا، في حين أجاب 6.0% “لا أعرف ” .
وعلى مستوى البدائل الجوهرية لإدارة المعبر، فضّل 38.1% من المستجيبين اعتماد آلية عبور دولية بإشراف أممي، مقابل 28.7% أيّدوا إنشاء معبر فلسطيني مستقل، و23.8% رأوا أن تطوير المعبر الحالي فقط هو الخيار الأنسب، فيما تراجع تأييد الإبقاء على الوضع القائم إلى 5.0% فقط.
وتشير هذه النتائج مجتمعة إلى أن الرأي العام الفلسطيني، وإن كان منفتحًا على خيارات الإشراف الدولي، يتعامل معها بحذر سياسي، مع تفضيل حلول عملية مباشرة تقلّص الازدحام وتُعزّز حرية الحركة، إلى جانب البحث في بُنى إدارية أكثر عدالة وفعالية، سواء عبر الإشراف الدولي أو من خلال تعزيز الدور الفلسطيني في إدارة المعبر، بما يحدّ من قابلية توظيفه كأداة ضغط سياسي ويصون حق الفلسطينيين في التنقل.
فتح معبر الكرامة على مدار 24 ساعة – مستوى التأييد والفوائد المتوقعة
أظهرت النتائج إجماعًا واسعًا على أهمية تشغيل المعبر على مدار الساعة، إذ أفاد 79.6% بأنهم يؤيدون بشدة هذا الخيار، و14.4% بأنهم يؤيدونه، مقابل نسب معارضة هامشية لم تتجاوز 5%.
أما من حيث الفوائد المتوقعة، فقد رأى 49.8% أن الفائدة الأهم تتمثل في تقليل الازدحام وأوقات الانتظار، تليها تحسين الأوضاع الإنسانية للمسافرين 21.2%، ثم تسهيل سفر المرضى وكبار السن 15.3% ودعم الحركة الاقتصادية والتجارية . 9.9% في المقابل، رأى 3.9% أنه لا توجد فائدة حقيقية من هذا الإجراء.
توصيات سياسات عامة
استنادًا إلى نتائج الاستطلاع وتحليل اتجاهات الرأي العام الفلسطيني حول أزمة الازدحام في جسر الملك حسين (معبر الكرامة)، يمكن بلورة مجموعة من التوصيات العملية والسياسات المقترحة الهادفة إلى تحسين حرية الحركة، والحد من توظيف المعبر كأداة ضغط سياسي، وتعزيز البعد الإنساني والخدمي لإدارته. وفي هذا السياق، يوصي الدكتور نبيل كوكالي، رئيس ومؤسس المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي، بما يلي:
التشغيل الكامل لمعبر الكرامة على مدار 24 ساعة
تُظهر نتائج الاستطلاع إجماعًا واسعًا على أن تشغيل معبر الكرامة على مدار 24 ساعة يوميًا يُعد الإجراء الأكثر فاعلية في تقليل الازدحام وأوقات الانتظار وتحسين ظروف السفر. وعليه، توصي الدراسة بالعمل الجاد، سياسيًا وإداريًا، لفرض نظام تشغيل 24/7 بوصفه حقًا مرتبطًا بحرية الحركة وليس إجراءً استثنائيًا أو مؤقتًا.
في المقابل، فإن حصر فتح المعبر بساعات محدودة—من الثامنة صباحًا وحتى الواحدة بعد الظهر—إضافة إلى إغلاقه يوم السبت، يسهم بشكل مباشر في تفاقم الازدحام وتكدّس المسافرين، ويضاعف الأعباء الإنسانية والاقتصادية، ما يستدعي مراجعة عاجلة لسياسات التشغيل الحالية.
تحسين البنية التشغيلية والخدمات الإنسانية داخل المعبر
في ضوء التقييم السلبي لمستوى تلبية المعبر لاحتياجات المسافرين، توصي الدراسة بـ:
• تطوير مرافق الانتظار والخدمات الأساسية (المياه، المرافق الصحية، أماكن الجلوس).
• اعتماد إجراءات خاصة وواضحة لتسهيل سفر المرضى وكبار السن وذوي الإعاقة.
• تقليص الإجراءات البيروقراطية غير الضرورية التي تزيد من العبء النفسي والاقتصادي على المسافرين.
إعادة تقييم نظام الـ VIP وفق معايير العدالة والشفافية
نظرًا لاعتبار غالبية المستجيبين أن نظام الـ VIP غير عادل ويساهم في تفاقم الازدحام، توصي الدراسة بـ:
• مراجعة شاملة لنظام الـ VIP من حيث معاييره وآليات تطبيقه.
• ربط أي استثناءات إنسانية بمعايير واضحة ومعلنة، وليس بقدرة مالية أو وساطات.
• دراسة إمكانية تقليص النظام أو استبداله بآلية تنظيم عادلة لا تميّز بين المسافرين.
تحييد المعبر عن الضغوط السياسية والأمنية
تعكس النتائج إدراكًا عامًا بأن أزمة المعبر ذات جذور سياسية وأمنية. وعليه، توصي الدراسة بـ:
• العمل على فصل إدارة المعبر عن أدوات الضغط السياسي قدر الإمكان.
• تعزيز الموقف الفلسطيني في المحافل الدولية باعتبار حرية الحركة حقًا مكفولًا بموجب القانون الدولي الإنساني.
• توثيق الانتهاكات المرتبطة بالقيود على السفر وطرحها ضمن أطر مساءلة قانونية ودبلوماسية.
تعزيز الدور الفلسطيني في إدارة المعابر
• توصي الدراسة بضرورة تعزيز الاستقلالية الإدارية والفنية للجانب الفلسطيني في إدارة المعابر، بما يشمل:
• تطوير القدرات المؤسسية والتشغيلية.
• توحيد المرجعيات والإجراءات الفلسطينية المرتبطة بالسفر.
• تحسين التنسيق الفني مع الجانب الأردني بما يخدم مصلحة المسافرين الفلسطينيين.
دراسة البدائل الاستراتيجية لإدارة المعبر
في ضوء تراجع التأييد للإبقاء على الوضع القائم، توصي الدراسة بـ:
• فتح نقاش وطني ورسمي حول بدائل إدارة المعبر، بما في ذلك:
o اعتماد آلية عبور دولية بإشراف أممي.
o أو إنشاء معبر فلسطيني مستقل كخيار استراتيجي طويل الأمد.
• تقييم هذه البدائل من حيث الجدوى السياسية والقانونية والإنسانية، وليس فقط التشغيلية.
إدماج البعد الإنساني في أي حلول مستقبلية
تؤكد النتائج أن الدوافع الإنسانية، وليس فقط الاقتصادية أو الإدارية، هي المحرّك الأساسي لمطالب الفلسطينيين. وعليه، توصي الدراسة بأن تكون كرامة المسافر الفلسطيني وتحسين تجربته في السفر معيارًا مركزيًا في أي سياسة أو إصلاح مستقبلي يتعلق بالمعبر.
منهجية التنفيذ وجمع البيانات
تم تنفيذ هذا الاستطلاع باستخدام منهجية الاتصال الهاتفي العشوائي (Random Digit Dialing – RDD)، حيث أُجريت المقابلات عبر نظام المقابلات الهاتفية بمساعدة الحاسوب (CATI). وتُعد هذه المنهجية من أكثر الأساليب كفاءة في جمع البيانات في السياقات الطارئة والحسّاسة، لما توفره من تنظيم دقيق لعملية الجمع، والحد من الأخطاء البشرية، وإتاحة المتابعة والرقابة الفورية على جودة البيانات وسير العمل الميداني.
وقد بلغ معدل الاستجابة 71%، وهو معدل مرتفع نسبيًا في الدراسات الهاتفية، ما يعكس مستوى اهتمام واضح لدى المواطنين بموضوع الاستطلاع. كما بلغ هامش الخطأ الإحصائي ±5.23% عند مستوى ثقة 95%، وهو ما يمنح النتائج درجة عالية من الموثوقية والدقة الإحصائية.
الخصائص الديموغرافية للعينة
تكوّنت عينة الدراسة من 350 مبحوثًا من سكان الضفة الغربية، توزّعوا من حيث الجنس بواقع 56.6% ذكور و43.4% إناث، بما يوفّر تمثيلًا متوازنًا نسبيًا لكلا الجنسين ضمن المجتمع المستهدف.
أما من حيث العمر، فقد تراوحت أعمار المبحوثين بين 18 و85 سنة، وبلغ الوسط الحسابي 37.5 سنة، فيما بلغ الوسيط 36 سنة، وسجّل المنوال 25 سنة بوصفه العمر الأكثر تكرارًا. ويعكس هذا التوزيع تمركزًا نسبيًا حول فئة منتصف العمر دون انحراف حاد نحو فئة عمرية محددة، الأمر الذي يعزّز من صلاحية العينة لأغراض التحليل الإحصائي المقارن وفق متغيري الجنس والعمر عبر محاور الدراسة المختلفة.
الخاتمة
واختتم الدكتور نبيل كوكالي بالقول إن نتائج الاستطلاع تؤكد أن أزمة معبر الكرامة لا تُعالج بحلول جزئية أو مؤقتة، بل تتطلب مقاربة شاملة تضمن الإصلاح التشغيلي، وتحمي البعد الإنساني، وتكفل حرية الحركة وكرامة المسافر الفلسطيني، في ظل إدراك واسع بأن جذور الأزمة سياسية وأمنية وتداعياتها الإنسانية والاقتصادية باتت مباشرة ومستمرة.
