في خيال صهر الرئيس الأمريكي ومستشاره جاريد كوشنر، تبدو غزة، المدينة الغارقة في الظلام والدمار، لوحة فنية، بشواطئ أنيقة وعصرية وميناء متطور، على البحر المتوسط، ومستقبل مشرق وواعد، لكن تلك التصورات، التي عبر عنها في منتدى دافوس، تبقى مجرد أحلام أمام الوضع الراهن الصعب والمعقد. وفق ما ذكره تقرير لوكالة “أسوشيتد برس”، يوم الجمعة.

وفي خطابه الذي استمر 10 دقائق يوم الخميس، زعم كوشنر أنه من الممكن، في حال توفر الأمن، إعادة بناء مدن غزة بسرعة، والتي أصبحت الآن أطلالًا بعد أكثر من عامين من الحرب بين إسرائيل وحماس.

ويقول الخبراء، إن تصور كوشنر يتعارض مع ما تتوقعه الأمم المتحدة والفلسطينيون من استغراق عملية إعادة البناء زمناً أطول بكثير مما يتوقعه كوشنر، بحكم عدد السكان الكبير الذي يزيد عن مليوني نسمة، وتلال الأنقاض، وتراكم الذخائر غير المنفجرة، وانتشار الأمراض، وتحول شوارع المدينة إلى أودية.

تجنب واقع موجود

عند كشفه عن خطته لإعادة إعمار غزة، لم يوضح كوشنر كيفية التعامل مع إزالة الألغام أو أماكن إقامة سكان غزة أثناء إعادة بناء مناطقهم. في الوقت الراهن، تقيم معظم العائلات في منطقة تشمل أجزاءً من مدينة غزة ومعظم ساحل غزة.

في رؤية كوشنر لمستقبل غزة، سيتم إنشاء طرق جديدة ومطار جديد بعد أن دمرت إسرائيل المطار القديم قبل أكثر من عشرين عامًا بالإضافة إلى ميناء جديد، ومنطقة ساحلية مخصصة “للسياحة” حيث يقطن معظم الفلسطينيين حاليًا. وتتضمن الخطة ثماني “مناطق سكنية” تتخللها حدائق وأراضٍ زراعية ومرافق رياضية.

ويقول مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع، إن غزة تضم أكثر من 60 مليون طن من الأنقاض تحتاج إلى أكثر من 7 سنوات لإزالتها، دون الأخذ في الاعتبار تعقيد تفكيك الألغام.

كما سلط كوشنر الضوء على مجالات “التصنيع المتقدم” و”مراكز البيانات” و”المجمع الصناعي”، على الرغم من أنه ليس من الواضح ما هي الصناعات التي ستدعمها.

قال كوشنر إن أعمال البناء ستركز في البداية على بناء “مساكن للعمال” في رفح، وهي مدينة جنوبية دُمرت خلال الحرب وتخضع حاليًا لسيطرة القوات الإسرائيلية. وأضاف أن أعمال إزالة الأنقاض والهدم جارية بالفعل هناك.

لم يتطرق كوشنر إلى مسألة إزالة الألغام. وتقول الأمم المتحدة إن القذائف والصواريخ غير المنفجرة منتشرة في كل مكان في غزة، مما يشكل تهديداً للأشخاص الذين يبحثون بين الأنقاض عن أقاربهم وممتلكاتهم ومواد إشعال النار.

وقال كوشنر إن خطته لإعادة الإعمار لن تنجح إلا إذا توفر الأمن في غزة، وهو شرط أساسي، لكن في الواقع لا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت حركة حماس ستنزع سلاحها، كما تواصل القوات الإسرائيلية إطلاق النار على الفلسطينيين في غزة بشكل شبه يومي.

ويؤكد مسؤولون من الحركة إن “لهم الحق في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي”. لكنهم صرحوا بأنهم سيدرسون “تجميد” أسلحتهم كجزء من عملية تحقيق الدولة الفلسطينية.

وفي مواجهة هذه التحديات، يعمل مجلس السلام مع إسرائيل على “خفض التصعيد”، كما صرح كوشنر، ويركز اهتمامه الآن على نزع سلاح حماس، وهي عملية ستديرها اللجنة الفلسطينية المدعومة من الولايات المتحدة والمشرفة على غزة.

سلاح منفلت

ومن العوامل الأخرى التي قد تُعقّد عملية نزع السلاح وجود جماعات مسلحة متنافسة في غزة، والتي ذكر عرض كوشنر أنها ستُفكّك أو تُدمج في التحالف الوطني لنزع السلاح. 

وخلال الحرب، دعمت إسرائيل جماعات مسلحة وعصابات فلسطينية في غزة فيما تقول إنه خطوة لمواجهة حماس.

وقال كوشنر إنه دون الأمن، لن يكون هناك سبيل لجذب المستثمرين إلى غزة أو تحفيز نمو فرص العمل. ويُشير آخر تقدير مشترك من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي إلى أن إعادة إعمار غزة ستُكلّف 70 مليار دولار.

ويكتنف خطة كوشنر الكثير من الغموض، كما أنها لم توضح كيفية التعامل مع إزالة الألغام أو أماكن سكن سكان غزة أثناء إعادة بناء مناطقهم.

تتضمن رؤية كوشنر لمستقبل غزة إنشاء طرق جديدة ومطار جديد بالإضافة إلى ميناء جديد، ومنطقة ساحلية مخصصة للسياحة، وهي المنطقة التي يقطنها حالياً معظم الفلسطينيين في خيام هشة.

كما سلط كوشنر الضوء على مناطق مخصصة للصناعات المتقدمة ومراكز البيانات ومجمع صناعي، مع أنه لم يتضح نوع الصناعات التي ستدعمها.

وقال كوشنر إن إعادة بناء مدينة غزة، أو “غزة الجديدة” كما وصفها في عرضه التقديمي، ستلي رفح. وأضاف أن المدينة الجديدة قد توفر فرص عمل ممتازة.

هل ستوافق إسرائيل على هذا الأمر يوماً ما؟

وصفت نومي بار يعقوب، المحامية الدولية والخبيرة في حل النزاعات، المفهوم الأولي للمجلس لإعادة تطوير غزة بأنه “غير واقعي على الإطلاق” ومؤشر على أن ترامب ينظر إليه من منظور مطور عقاري، وليس من منظور صانع سلام.

قال بار يعقوب، وهو زميل مشارك في مركز جنيف للسياسة الأمنية، إن مشروعاً يضم هذا العدد الكبير من المباني الشاهقة لن يكون مقبولاً أبداً بالنسبة لإسرائيل لأن كل مبنى سيوفر رؤية واضحة لقواعدها العسكرية بالقرب من الحدود.

علاوة على ذلك، ذكر عرض كوشنر أن اللجنة الوطنية لإدارة غزة ستتسلم الإشراف على غزة في نهاية المطاف إلى السلطة الفلسطينية بعد إتمامها الإصلاحات. إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعارض بشدة أي مقترح بشأن غزة ما بعد الحرب يتضمن السلطة الفلسطينية. وحتى في الضفة الغربية، حيث تحكم السلطة الفلسطينية، فإنها لا تحظى بشعبية واسعة بسبب الفساد والتواطؤ المزعوم مع إسرائيل.

شاركها.