ما أشبه اليوم بالأمس. من يقرأ تاريخ فلسطين يدرك أوجه الشبه بين الانتداب البريطاني من عام 1922 إلى عام 1948، وبين ما يمكن تسميته بـ «الانتداب» الأميركي الذي بدأ نهاية العام الماضي.

بدأ الانتداب البريطاني بقرار صادر عن عصبة الأمم، جاءت مقدمته لتجعل من تنفيذ وعد بلفور الغاية الأساسية للانتداب. أما مواده، وعددها ثمانٍ وعشرون مادة، فقد خُصّص سبعٌ منها لتنفيذ هذا «الوعد»، بما في ذلك الالتزام بتأمين إنشاء الوطن القومي اليهودي، والاعتراف بالوكالة اليهودية، وتسهيل الهجرة اليهودية وتشجيع الاستيطان المكثف، ومنح الجنسية لليهود الذين يتخذون فلسطين مقرًّا لهم، وتسهيل شراء اليهود للأراضي الفلسطينية وترتيب ذلك مع الوكالة اليهودية، واعتماد العبرية لغةً رسمية. وهو ما يجعل وعد بلفور ليس مجرد إعلان سياسي، بل التزامًا قانونيًا مُلزِمًا داخل صك الانتداب نفسه. أما باقي مواد الانتداب فكانت تتعلق بالإدارة والآثار، وليس بينها مادة واحدة تعترف بالفلسطينيين كجماعة وطنية (شعب) لها تطلعات سياسية.
يقول رشيد الخالدي في هذا السياق إن صك الانتداب لم يكن وثيقة انتقال نحو الاستقلال، كما يُفترض من حيث المبدأ في نظام الانتدابات، بل كان إطاراً قانونياً صُمم لخدمة مشروع قومي استيطاني، مع اختزال السكان الأصليين في فئة سكانية تُمنَح حقوقًا مدنية ودينية فقط، لا حقوقًا سياسية أو وطنية.
ولتحقيق هذا الهدف، شكلت بريطانيا حكومة فلسطين — التي لم يكن فيها فلسطيني واحد — واستلمت هذه الحكومة مفاصل السلطة المركزية، وعينت هربرت صموئيل، وهو صهيوني متشدد، رئيساً لها (المندوب السامي)، وإلى جانبه عُين النائب العام نورمان بنتويتش، وهو أيضاً صهيوني متزمت، بوصفه المهندس القانوني لإدارة الانتداب. وبذلك تمركز الجهاز التنفيذي للانتداب في أيدي أشخاص ذوي التزام صهيوني واضح.
أما الفلسطينيون، فقد رفضت بريطانيا الاعتراف بالجهة الوحيدة المنتخبة من قبلهم في ذلك الوقت، وهي المؤتمر العربي الفلسطيني برئاسة موسى كاظم الحسيني، وقامت بدلاً من ذلك بإنشاء المجلس الإسلامي الأعلى، الذي مُنِح السيطرة على أموال الأوقاف والتعيينات الدينية، وعيّنت الحاج أمين الحسيني رئيساً له، لكنه بقي بلا صلاحيات سياسية وبعيدًا عن إدارة شؤون الحكم.
وفي المُجمل، عندما كان القادة الفلسطينيون يتذمرون ويطالبون بتشكيل حكومة فلسطينية وبرلمان، أسوةً بالدول المجاورة التي كانت تحت الانتداب البريطاني والفرنسي، كان المندوب السامي يجيبهم بأن مواد الانتداب الصادرة عن عصبة الأمم لا تتضمن ذلك، وأنه شخصياً لا يُمانع شريطة التزامهم بشروط الانتداب وتنفيذها؛ أي العمل على تحويل فلسطين إلى وطن لليهود. وكان هذا يحدث في وقت لم يكن فيه عدد اليهود في فلسطين يتجاوز 85 ألفًا، مقابل أكثر من 660 ألف عربي فلسطيني.
لقد كانت بريطانيا صريحة وواضحة جداً في التزامها بوعد بلفور، ولم يكن هذا الالتزام تحكمه المصالح وحدها، بل الأيديولوجيا أيضا. يقول آرثر جيمس بلفور في رسالة كتبها إلى أعضاء حكومة بلاده عام 1919: إن الصهيونية، سواء كانت محقة أم مخطئة، خيّرة أم شريرة، متجذرة في تقاليد عريقة، وفي حاجات حاضرة، وفي آمال مستقبلية، وهي ذات أهمية أعمق بكثير من رغبات وأحكام السبعمئة ألف عربي الذين يسكنون الآن تلك الأرض القديمة.
إن «الانتداب» الأميركي، بعد أكثر من مئة عام، لا يختلف في مرجعيته وأشخاصه وتوجهاته السياسية عن الانتداب البريطاني.
بدأ هذا الأخير بقرار مجلس الأمن رقم 2803، الذي رحّب بـ «الخطة الشاملة لإنهاء النزاع في غزة» (خطة ترامب)، ودعا جميع الأطراف إلى تنفيذها. ومن أجل ذلك، رحّب القرار بإنشاء «مجلس السلام» بوصفه «إدارة انتقالية تتمتع بالشخصية القانونية الدولية، تتولى وضع الإطار العام وتنسيق التمويل لإعادة إعمار غزة… إلى حين استكمال السلطة الفلسطينية برنامجها الإصلاحي… وتمكينها من استعادة السيطرة على غزة بشكل آمن وفعّال». كما يأذن القرار بنشر «قوة الاستقرار الدولية»، ويشجع على إنشاء لجنة وطنية لإدارة غزة لتولي تسيير شؤون الحكم المدني اليومية في قطاع غزة، تحت إشراف مجلس السلام.
وللتذكير، فإن المرجعية القانونية لهذا القرار هي بنود «خطة ترامب» العشرين، التي تطالب بنزع سلاح المقاومة من دون أي التزام بإقامة دولة فلسطينية، فيما الجهة المكلفة بالتنفيذ حصراً هي مجلس السلام الذي يرأسه ترامب. لكن المقارنة لا تنتهي هنا.
لمجلس السلام ذراع ترسم السياسات وتضع البرامج التنفيذية، هي «المجلس التنفيذي التأسيسي»، وهو فعلياً السلطة السياسية التنفيذية، تماماً كما كانت «حكومة فلسطين» البريطانية أيام الانتداب. يتكون المجلس من سبعة أشخاص: ماركو روبيو، ستيف ويتكوف، جاريد كوشنر، توني بلير، مارك روان، أجاي بانغا، وروبرت غابرييل. ويرتبط بهم نيكولاي ملادينوف، الذي يُوصَف صراحة بأنه المندوب السامي لغزة (كما كان صموئيل)، إلى جانب آريه لايتستون وجوش غروينباوم، اللذين جرى تعيينهما مستشارَين رفيعي المستوى لمجلس السلام.
وإذا نظرنا إلى توجهاتهم السياسية، نكتشف أن غالبيتهم حلفاء لحكومة دولة الاحتلال، وبعضهم يقع حتى على يمينها. فمارك روان، رئيس شركة «أبولو» العقارية، يتسم خطابه بالعداء للفلسطينيين والتحريض عليهم، خصوصاً عندما يتحدث عن النشاط المعادي للاحتلال في الجامعات الأميركية. أما آريه لايتستون، فهو مختص بالاتفاقيات الإبراهيمية، وقد أمضى سنوات عمله في ولاية ترامب الأولى في هندسة هذه الاتفاقيات، حيث يمثل التطبيع بالنسبة له الغاية الأولى لما يحققه من فائدة لدولة الاحتلال. أما روبرت غابرييل فهو رجل عسكري، وتتمثل مهمته الأساسية في نزع سلاح المقاومة. ولا داعي للإطالة والحديث عن ويتكوف وكوشنر وروبيو، فمواقفهم السياسية مُعلَنة، وهم لا يرون في الفلسطينيين شعباً أصلاً.
ومثلما كانت حكومة بريطانيا في فلسطين تدير الانتداب من دون تمثيل فلسطيني، لا يوجد في حكومة «الانتداب» الأميركي فلسطينيون أو مؤيدون أو حتى متعاطفون مع الفلسطينيين، فيما الغالبية العظمى منهم مؤيدون لدولة الاحتلال.
هناك بالطبع فرق واحد: كانت حكومة بريطانيا صريحة في أن هدفها إقامة «وطن قومي للشعب اليهودي»، أما حكومة أميركا، وباستثناء هدف نزع سلاح المقاومة، فإن أهدافها في غزة غير معلنة. وهذا الغموض ليس ناتجاً عن غياب الأهداف الأخرى، بل لأن إعلانها صراحة سيدفع العديد من الدول العربية والإسلامية التي أيدت الخطة إلى سحب تأييدها.
وهذا يعني أن أهدافها قد تكون إنشاء «ريفييرا» في غزة من دون سكانها، كما قال ترامب في أحد تصريحاته، أو تقاسم غزة بين دولة الاحتلال وأصحاب الشركات العقارية في «حكومة فلسطين الأميركية»، ودائماً من دون أهل غزة. الاحتمالات كثيرة، لكن المؤكد أن ليس من بينها التأسيس لإقامة دولة فلسطينية.
أما «لجنة إدارة غزة»، فهي لا تمتلك أي صلاحيات فعلية. وفي هذا السياق، يمكن القول إن المجلس الإسلامي الأعلى، برئاسة المفتي الحاج أمين الحسيني، كان يتمتع بصلاحيات واستقلالية أكبر منها.

شاركها.