غزة: وسؤال البديل؟ جمال خالد الفاضي
أثارت خطة ترمب، وما تبعها من خطط وتصورات متعلقة بمستقبل قطاع غزة، نقاشًا واسعًا اتسم بقدر كبير من الشك والرفض المسبق. وقد استند هذا الموقف، في معظمه، إلى خبرة تاريخية طويلة مع تدخلات دولية لم تُفضِ إلى إنهاء الاحتلال بقدر ما أسهمت في إدارته أو إعادة إنتاجه بصيغ مختلفة. غير أن الإشكالية التحليلية لا تكمن في مشروعية هذا الشك، بل في تحوّله إلى موقف نهائي، دون فحص تفصيلي لما تحمله أي مبادرة من شروط ومسارات محتملة، ودون مساءلة جدية لكلفة البدائل المتاحة، أو بالأحرى لكلفة غياب البدائل.
في أدبيات التفاوض وحل النزاعات، يُنظر إلى الرفض بوصفه أداة سياسية فاعلة فقط حين يقترن بقدرة عملية على فرض بديل، أو على الأقل تحسين شروط التفاوض. أما الرفض الذي لا يستند إلى تصور قابل للتطبيق، أو إلى جهة راعية قادرة على تحويله إلى مسار واقعي، فإنه يفقد تدريجيًا فاعليته السياسية، مهما كانت مشروعيته الأخلاقية. من هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل نملك الحق في الرفض؟، بل: هل نملك القدرة على جعل الرفض خيارًا منتجًا سياسيًا؟ وهل لدينا بديل واضح، قابل للحياة، يمكن الدفاع عنه دوليًا، وتأمين الحد الأدنى من شروط تنفيذه وحمايته؟ يلاحظ أن كثيرًا من القراءات الناقدة للمبادرات المطروحة من قبل إدارة ترمب، أنها تُحسن تفكيك المخاطر المحتملة، لكنها نادرًا ما تقدّم مسارًا بديلًا مكتمل الأركان. فالبديل السياسي، وفق المعايير العملية، لا يُبنى على النوايا أو الخطاب، بل يتطلب: رؤية مؤسسية واضحة، حاضنة داخلية قادرة على حملها، ورعاية أو ضمانات دولية تسمح بتحويلها إلى وقائع.
وفي غياب هذه العناصر، يبقى سؤال جوهري معلقًا: من هي الجهة القادرة على فرض حلول أخرى؟ وإذا لم تكن هناك قوة دولية أو تحالف إقليمي مستعد لتبنّي مسار مختلف، فإن رفض المسارات القائمة لا يؤدي بالضرورة إلى إيقافها، بل غالبًا ما يعني استمرار الواقع القائم بكل كلفته الإنسانية.
تستمد خطط فريق ترمب زخمها من التصورات المصاحبة لها حول إعادة الإعمار، وإعادة بناء البنية التحتية، وخلق فرص اقتصادية، أي من وعدها بإعادة إنتاج الأمل في مكان استُنزفت فيه شروط الحياة. ولا يمكن التقليل من الأثر النفسي والاجتماعي لمثل هذه التصورات على مجتمع أنهكته الحرب والانهيار.
غير أن المقاربة التحليلية تقتضي التعامل مع الإعمار بوصفه وسيلة لا غاية. فالإعمار الذي لا يرتبط بإطار حقوقي وسياسي واضح قد يتحول إلى إدارة طويلة الأمد للأزمة، أو إلى إعادة تنظيم الواقع القائم تحت أشكال جديدة من الضبط والسيطرة. وعليه، لا يكون السؤال: هل نحتاج إلى الإعمار؟ بل: أي إعمار، وتحت أي شروط، وبأي ضمانات؟ لا يمكن مناقشة التدخل الأمريكي، بمعزل عن سؤال الداخل الفلسطيني. فإلى أي حد أسهم العجز عن بناء نموذج داخلي واضح سياسيًا، ومؤسسيًا، وأخلاقيًا في فتح الباب واسعًا أمام التدخلات الخارجية؟
في النظام الدولي، لا تُدار القضايا على أساس عدالتها المجردة، بل على أساس وجود نماذج قابلة للإدارة والتسويق السياسي. وعندما يعجز الفاعلون المحليون و( هم نحن هنا) عن تقديم نموذج حكم، أو رؤية جامعة، أو خطاب متماسك يقول للعالم، إن الفلسطيني لا يملك فقط سردية الألم، بل تصورًا للحياة، فإننا نكون دون قصد قد منحناالآخرين مبرر التدخل، وحق إعادة الصياغة، واحتكار تعريف الحل الممكن. بهذا المعنى، لا يكون التدخل الخارجي مفروضًا بالكامل من الخارج، بل يتغذّى أيضًا على فراغ داخلي، وعلى غياب مشروع يمكن حمله إلى العالم بوصفه بديلًا مقنعًا، لا مجرد موقف اعتراضي.
إن النقاش حول خطة ترمب ومرفقاتها لا ينبغي أن يُختزل في ثنائية القبول أو الرفض، بل يجب أن ينتقل إلى مستوى أعمق: ما هو البديل القابل للحياة؟ ومن يملك القدرة على فرضه أو حمايته؟ وهنا تقع مسؤولية خاصة على عاتق النخب الفلسطينية السياسية والفكرية والأكاديمية، التي لا يكفي أن تُحسن النقد، بل يُفترض بها أن تبادر إلى إنتاج أطر بديلة، ورؤى عملية، ونماذج قابلة للنقاش والتنفيذ. لقد آن الأوان للانتقال من موقع ردّ الفعل إلى موقع الفعل، ومن توصيف المأساة إلى بلورة مشروع وطني عملي يجيب عن أسئلة الحكم، والإعمار، والاقتصاد، والتمثيل السياسي. فالعالم، مهما بدا غير عادل، يتعامل مع المشاريع التي تمتلك تصورًا قابلًا للإدارة، لا مع القضايا التي تكتفي بعدالة سرديتها.
