في زمنٍ تُقاس فيه المواقف بثباتها لا بضجيجها، وتُوزن فيه الأخلاق بقدرتها على الاستمرار لا بموسميتها، تبرز عملية «الفارس الشهم 3» الإماراتية بوصفها واحدًا من أكثر نماذج العمل الإغاثي والإنساني نُبلًا واتساقًا مع قيم العطاء والمسؤولية. فليس من السهل أن تحافظ مبادرة إنسانية على زخمها لأكثر من عامين دون كللٍ أو ملل، وسط تعقيدات السياسة، وتقلّبات الميدان، وضيق الموارد، واتساع رقعة الألم. ومع ذلك، ظل «الفارس الشهم» حاضرًا، فعّالًا، ومؤثرًا، كرافعة حقيقية لتعزيز صمود النازحين، وركيزة لا غنى عنها من ركائز البقاء والكرامة.
لقد أدركت دولة الإمارات العربية المتحدة، منذ اللحظة الأولى، أن الإغاثة ليست مجرد استجابة طارئة، بل التزام أخلاقي طويل النفس، وأن كرامة الإنسان لا تحتمل الانتظار. فجاءت المبادرات متواصلة، متنوعة، ومرنة؛ تُغطي الغذاء والدواء، وتلامس تفاصيل الحياة اليومية للنازحين في خيامهم، حيث يصبح الخبز أملاً، والدواء طمأنينة، والدعم المعنوي طوق نجاة.
وإذا كانت الدول تُقاس بأفعالها في أوقات الشدة، فإن الإمارات، عبر «الفارس الشهم»، قدّمت درسًا عمليًا في أن العمل الإنساني لا يُدار بالخطابات، بل بالوصول إلى حيث الحاجة، وبالقدرة على الاستمرار حين يتراجع الآخرون. لقد كانت القوافل، والمطابخ المجتمعية، والدعم الطبي، وتوفير المستلزمات الأساسية، عناوين يومية لحضور إماراتي لا يكلّ، ولا يتبدّل مع تبدّل العناوين الإعلامية.
وفي قلب هذا الجهد، برز الدور التنظيمي والميداني لذراعٍ فلسطينيٍ إصلاحيٍ فاعل، تمثّل في قيادات وكوادر التيار الإصلاحي الديمقراطي، الذين شكّلوا جسرًا أمينًا بين الدعم الإماراتي واحتياجات الناس على الأرض. هؤلاء لم يكونوا مجرد وسطاء لوجستيين، بل شركاء حقيقيين في الفهم والتنفيذ، يعرفون تفاصيل المخيمات، ويقرأون نبض الناس، ويحوّلون الموارد إلى أثر ملموس.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال الدور المحوري للنائب محمد دحلان، الذي قاد، مع إخوانه في التيار، هذا الجهد الإنساني بروح المسؤولية الوطنية، بعيدًا عن الحسابات الضيقة. لقد أثبتت التجربة أن الخلافات السياسية، مهما اشتدّت، تصغر أمام همّ الإنسان وحقه في الحياة الكريمة، وأن الانحياز للناس هو المعيار الأخلاقي الأسمى لأي فعل عام.
ورغم كثرة الحديث عن الفرج القريب، وعن التسهيلات القادمة، وعن انتظار فتح معبر رفح، تبقى الحقيقة التي لا يجادل فيها أحد من النازحين واضحة: أن قاطرة الصمود في خيام النزوح لم تتوقف يومًا عن السير بفضل هذا الجهد المتواصل. فالأمل لا يُبنى على الوعود المؤجلة، بل على الخبز الذي يصل اليوم، والدواء الذي يُنقذ الآن، والدعم الذي يزرع الثبات في النفوس.
إن «الفارس الشهم» لم يكن مجرد عملية إغاثية عابرة، بل تحوّل إلى نموذج يُحتذى في العمل الإنساني المستدام، حيث تتكامل الرؤية مع التنفيذ، ويتقدّم الإنسان على كل اعتبار. وقد أثبتت التجربة أن الصمود ليس شعارًا يُرفع، بل منظومة متكاملة من الدعم المادي والمعنوي، وأن النازحين، مهما اشتدّت محنتهم، يستمدّون قوتهم من شعورهم بأنهم ليسوا وحدهم.
من هنا، فإن تثمين هذا الجهد ليس مجاملة، بل واجب أخلاقي، ورسالة تقدير لكل يدٍ امتدت بالعطاء، ولكل عقلٍ خطّط، ولكل قلبٍ آمن بأن إنقاذ الإنسان هو أسمى أشكال السياسة. وما زال الفارسُ شهماً في عطاياه، لأن الشهامة ليست لحظة عابرة، بل نهجٌ راسخ، وعهدٌ لا ينقطع.
