السلام كلمة تدخل في حقل النتائج النهائية، في الخلاصات، في الخاتمة المرجوة لنزاع أو مفاوضات، أي أنها توصيف لنهاية مرحلة. تنطقها فتشعر بالاطمئنان، ثم إنك تستطيع رسمها على شكل حمامة، أو حملها على شكل غصن زيتون قمت للتو بقطعه بمنشارك الحاد عن أمه الشجرة، دون رأفة ودون التفات للصمغ السائل منها ومنه، كدموع إلهية.
هل هذا الكلام غير مقنع يا سيدي القارئ؟ جرب أن تكرر نطق «مجلس السلام العالمي» عشر مرات بسرعة ودون تأتأة، وسوف تصدّق المفعول السحري لهذه الكلمات، وستشعر براحة غير مألوفة، هذا عداك عن شعور الفخر الذي سينتابك لأنك استطعت النطق السريع دون تلعثم ودون أخطاء.
لكن الأهم من كل هذا «الحكي» الرومانسي هو أن السلام، ككلمة وكمفهوم، يعيش تحت ظل كلمة أخرى تمتلك سطوة وقدرة على الفعل لا يمكن إنكارهما، وهي كلمة السياسة. هذه الكلمة لا تستطيع الصمود بين الثنائيات الحادة، وليس لديها ما يمكن تعريفه بالأسود والأبيض ولا تؤمن بذلك على الإطلاق.
ففي السياسة هناك تفاوض أو إدارة لتناقض المصالح، غالباً ما يؤدي هذا التفاوض إلى حلول ناقصة أو غير مُرضية لأحد الأطراف، مما يتم التعبير عنه، أو عن أحد أهم عناصره بمصطلح «تنازلات مؤلمة»، وبالتالي فإن على من قام بهذه التنازلات أن يبررها أمام من يمثلهم، بلغة سياسية أيضاً، وقادرة على إقناعهم واحتواء غضبهم. هذه هي طبيعة السياسة وهكذا تستطيع الإنجاز، وتحقيق السلام، الذي يحمل اسماً آخر أقل رومانسية وأكثر عقلانية وهو الاستقرار.
ولأن السياسة لا تؤمن بالثنائيات ولا بالمطلق، فهي غالباً ما تفشل أو يتم إفشالها ممن يؤمنون بهذه الثنائيات، أو من أولئك الذين لا يجيدون تحقيق مصالحهم بأدواتها. بمعنى آخر، ينقسم هؤلاء الذين لا يحبذون اللعب تحت مظلة السياسة إلى فئتين؛ الأولى، أناس لا يملكون الكفاءة، والثانية، أناس يملكون القوة كبديل مضمون أكثر وقادر على تحقيق أهدافهم.
إذا اتفقنا أن السياسة بمجملها هي إدارة الصراع بأدوات دبلوماسية إلى حين حله، فإن البديل، وهو هنا عسكرتها، أي ما نطلق عليه «الحرب» يبغي سحق أحد أطراف الصراع لا التفاهم معه حول تسوية ما. الحرب لا تدير الاختلاف، إنما تحسمه بالقوة، لأنها لا تعترف بالخصم كشريك في المجال العام، ولا تنظر إليه إلا كعدو يجب كسره أو إلغاؤه.
وحين يختار أحد الأطراف الحرب كوسيلة، تتغير القواعد تماماً وتدخل إلى الحَلَبة لغة الثنائيات الحادة، بحيث يصبح التنازل خيانة، والحوار ضعفاً، والخصم تهديداً وجودياً يجب التخلص منه فوراً. إنها تبسّط العالم بشكل خطير وتُريح العقول من السؤال الأساسي والمُلح: كيف نحلّ المشكلة؟ وتحوله إلى سؤال: كيف نهزم العدو؟. وهنا تبدأ ثنائيات الفرز الحاد؛ الهزيمة يقابلها الانتصار، والبطولة تقابلها الخيانة، والرصاصة يقابلها الجسد.
أين يقع مجلس ترامب للسلام العالمي وأين يمكن تصنيفه؟ هل هو ضمن اللعبة السياسية أم ضمن الحرب؟ الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن عزلها عن شخصية ترامب كتاجر يريد الربح السريع أو كمقاول يجيد منطق الصفقات ويستعجل توقيع العقد التجاري، كما لا يمكن عزل الإجابة عن منصبه كرئيس لدولة هي الأقوى في العالم، سواء رضينا بذلك أو أجبرنا عليه. وبكل تأكيد لا يمكننا تجاوز أن هذه الدولة لها سمعتها الدبلوماسية وأعرافها وتاريخها ومنظومة مؤسساتها، أو ما يُطلق عليه مسمى الدولة العميقة، والتي تتناقض مع شخصية هذا الرئيس الفج والمنفلت بل والبذيء في كثير من الأحيان.
على العموم، فإنه من غير الممكن وضع دونالد ترامب ومجلسه ضمن خانة واحدة فقط. فترامب لا يبدو رجلاً عاجزاً عن السياسة، أو مبتدئاً في مدرستها، وإلا لما استطاع أن يصل إلى منصبه مرتين، في دولة لا نستطيع تصنيفها من ضمن جمهوريات الموز. الأصح أنه غير مؤمن بالسياسة ولا بقدراتها، لذلك فهو يقوم بعسكرتها.
دونالد ترامب عسكر السياسة الخارجية الأميركية، هذا هو التشخيص الذي أراه ملائماً، والذي يبدو قادراً من وجهة نظري على حل إشكاليات شخصية الرجل وتناقضاته الكثيرة. وبهذه العسكرة للسياسة فإنه لا يدمر الدبلوماسية المعتادة، بل يعيد تعريفها على نحو مقلوب؛ فبدل أن تكون الحرب استثناء يلجأ إليها من لا يريد السياسة لأنها لا تلبي طموحه، أصبحت السياسة ملحقاً لغوياً لا وظيفة له إلا تخفيف الكلفة الأخلاقية للحرب.
فالسياسة والدبلوماسية في خطابه وممارساته، ليستا مجالاً لإدارة التناقضات وبناء التوازنات، إنما إكسسوارات قديمة عفا عليها الزمن، لكن لا بد منها للتغطية «الأخلاقية» على منطق القوة في تحقيق المكاسب السريعة، أو لجعل هذا المنطق أكثر جمالاً وخفة دم، وبالتالي مقبولاً من قِبل قليلي الخبرة من الخصوم في العالم الثالث.
فهو حين يُنشئ إطاراً يحمل اسم «مجلس السلام العالمي» وفي الوقت ذاته يلوّح بالحرب، والعقوبات، والضربات الاستباقية، فإننا لا نكون أمام ازدواجية خطاب لشخصية مضطربة أو فاشلة كما نرتاح أن نصفها، وإنما أمام نموذج متكامل لسياسة تُستخدم كواجهة شكلية لا أكثر، أما الأساس أو المضمون فهو الحرب. الحرب التي لم تعد تكتفي بتغيير وجه الشرق الأوسط، كما كانت رغبة الإدارات الديمقراطية في الولايات المتحدة، بل تنتقل لتفعل فعلها في العالم كله، وللمفارقة فإن هذه الحرب، أو الحروب إن شئنا الدقة، ستتم إدارتها تحت مظلة مجلس «السلام».
السلام هنا سيتحول إلى شعار أخلاقي يُستدعى عند الحاجة، فيما تُحسم القرارات الحقيقية بلغة الردع والإكراه. بمعنى آخر فإن المهمات الدبلوماسية أصبحت في عهد ترامب في يد المؤسسة العسكرية، وبالتالي فإن شعار «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» لا يعني ولن يعني إلا أن الدول الأخرى ملفات أمنية في يد هذه المؤسسة، وليست سيادات يمكن احترامها.
عن العسكرة الذاتية والترامبية وانعكاسها علينا نحن، الفلسطينيين، في المقال القادم.