عاد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ليطلق تحذيراً صريحاً من سيناريو تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة في توقيت لا يمكن فصله عن الحراك الدولي المتسارع حول “اليوم التالي للحرب”، ولا عن لقاءاته الأخيرة في دافوس، وعلى رأسها اجتماعه مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي وعد فيه الأخير بالتدخل لحل أزمة سد النهضة.

وفي كلمته خلال احتفال عيد الشرطة بأكاديمية الشرطة أول من أمس السبت، لم يكتفِ السيسي بتجديد الرفض المصري التقليدي لتهجير الفلسطينيين، بل صاغ تحذيره بلغة مختلفة، حين ربط بين إخراج نحو 2.5 مليون فلسطيني من قطاع غزة و”تصفية القضية الفلسطينية”، ثم وسّع دائرة الخطر محذراً من أن هذا السيناريو سيقود إلى نزوح مئات الآلاف نحو أوروبا والدول الغربية، بما يحمله من تداعيات أمنية واقتصادية واجتماعية “لا طاقة لأحد على تحملها”.

ولم تكن الرسالة موجهة إلى الداخل المصري، ولا حتى إلى إسرائيل وحدها، بقدر ما بدت خطاباً موجهاً إلى العواصم الغربية التي تنخرط، بشكل أو بآخر، في البحث عن ترتيبات جديدة لغزة تحت عناوين “إعادة الإعمار” و”الاستقرار” و”الحوكمة”.

تحذير السيسي

وجاء توقيت التحذير بعد أيام من عودة السيسي من منتدى دافوس، حيث التقى ترامب الذي أعلن استعداده للتدخل في أزمة سد النهضة، في خطوة رحبت بها القاهرة باعتبارها تمس أحد أخطر ملفات أمنها القومي.

وبالتوازي، كانت أروقة دافوس تشهد تسويقاً متجدداً لخطة أميركية لإعادة إعمار غزة، ارتبطت بتصورات قديمة وأخرى جديدة طرحها صهر ترامب جاريد كوشنر، تقوم على إعادة بناء قطاع غزة اقتصادياً وعمرانياً، وفق مقاربة استثمارية تثير مخاوف واسعة بشأن مصير السكان. الخطة التي تُقدَّم باعتبارها “إنقاذاً اقتصادياً لغزة”، حذّر سياسيون وخبراء فلسطينيون ودوليون من أنها قد تتحول عملياً إلى مدخل لتهجير ناعم أو مؤجل، عبر إخلاء مناطق واسعة بحجة إعادة الإعمار، أو فرض واقع أمني وسياسي يجعل عودة السكان مستحيلة.

وقال مصدر مصري مطّلع على ملف غزة لـ”العربي الجديد” إن القاهرة، رغم تلقيها إشارات سلبية خلال الأسابيع الماضية بشأن مخططات أميركية ـ إسرائيلية تتعلق بمستقبل قطاع غزة المحاصر من شأنها التأثير على الوضع الديمغرافي للقطاع، فإنها تتعامل مع هذه الطروحات على أساس أنها غير قابلة للتنفيذ عملياً في ظل ثبات الموقف المصري ووضوح خطوطه الحمراء.

وأوضح المصدر أن الدور المصري يمثل عامل إحباط رئيسياً لأي محاولات لفرض وقائع جديدة على الأرض، سواء عبر إعادة هندسة سكانية أو الدفع باتجاه إخراج أعداد كبيرة من الفلسطينيين من القطاع تحت مسميات مختلفة. وشدّد على أن القاهرة لن تكون جزءاً من أي ترتيبات تمس جوهر القضية الفلسطينية أو تقود إلى تصفيتها بشكل غير مباشر.

وأكد المصدر أن القاهرة أبلغت أطرافاً دولية، بشكل مباشر وغير مباشر، أن تجاوز الدور المصري في ترتيبات ما بعد الحرب أمر غير وارد، وأن أي محاولات للالتفاف على هذا الدور ستصطدم بواقع سياسي وأمني لا يسمح بفرض حلول أحادية أو سريعة. وأشار إلى أن مصر تنظر إلى قطاع غزة باعتباره جزءاً لا يتجزأ من معادلة الأمن القومي الإقليمي، وأن استقرار قطاع غزة وبقاء سكانه على أرضهم، ووجود أفق سياسي واضح، تمثل عناصر مترابطة لا يمكن فصلها أو التعامل معها بشكل انتقائي.

ووفق المصدر، فإن الموقف المصري لا ينطلق فقط من حسابات سياسية، بل من ثوابت راسخة تتعلق برفض التهجير، وعدم القبول بأي تغيير قسري في التركيبة السكانية للقطاع، أو تحميل دول الجوار مسؤوليات قانونية أو إنسانية بديلة عن قوة الاحتلال.

وختم المصدر بالتأكيد أن القاهرة منفتحة على أي مسار حقيقي لإعادة الإعمار وتحسين الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، شريطة أن يتم ذلك في إطار يحفظ حقوق الفلسطينيين، ويضمن بقاءهم على أرضهم، ويعالج جذور الأزمة سياسياً، لا أن يتحول إلى مدخل لإعادة إنتاجها بصيغ جديدة.

شاركها.