احتفال بنيامين نتنياهو المطلوب لـ»الجنائية الدولية» بالنصر الذي نسبه إلى نفسه وزوجته سارة، لم ينجح في إخفاء الشعور بالفشل الإستراتيجي الذي يتحمّل عنه المسؤولية منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، ومرة أخرى، يحاول الادّعاء بعبقرية افتقدها منذ البداية، يعود ويؤكد أن نظرية استخدام القوة هي التي تقف خلف استعادة كل الإسرائيليين الأحياء والأموات متستّراً عن عشرات وربما أكثر من الجنود والضباط الذين قضوا بينما هم يحاولون الامتثال لنظريته الخرقاء.

دونالد ترامب هو الآخر، وبالعنجهية ذاتها نسب لنفسه حصرية الفوز باستعادة الأسرى، وجثث الإسرائيليين الذين كانوا بحوزة المقاومة، ولم يتمّ الإفراج عنهم إلا عبر اتفاقيات معها.
يبدو وكأن نتنياهو فقد الذريعة الأخيرة للاستمرار في محاولاته لإفشال خطة ترامب، ووقف تقدمها نحو المرحلة الثانية، وذلك حين ماطل لأسابيع، استخراج الجثة الأخيرة، التي كان يعرف مكان وجودها.
غير أن هذا السّاحر المراوغ، يمتلك جراباً طويلاً من الذرائع، التي يحاول من خلالها، تكريس بصمته على التفاصيل اللاحقة لبدء المرحلة الثانية.
«مرغم أخاك لا بطل»، اضطر نتنياهو للموافقة على فتح معبر رفح في الاتجاهين، تحت ضغط الإدارة الأميركية، ولكنه أخرج مسرحية اجتماع الحكومة للموافقة على فتحه، وكأنه صاحب القرار.
نتنياهو عاد إلى معزوفة سابقة لم يتخلّ عنها من أنه لن يسمح بالبدء بإعادة الإعمار، إلا بعد سحب سلاح المقاومة، وإلا فإن جيشه قد صادق على خطط جاهزة للقيام بذلك واحتلال قطاع غزة، وبسط السيطرة الأمنية عليه.
هو يعرف أنه ليس بمقدوره أن يتجاوز رغبة ترامب، الذي يتحدث عن عزمه البدء بإعادة الإعمار بدءاً بمنطقة رفح.
ويحاول مرة أخرى أن يترك بصمته على قرار إعادة فتح معبر رفح في الاتجاهين بخلاف ما كان أعلنه من أنه لن يسمح بفتحه إلا للمغادرين، وأنه سيقوم بفتح معبر آخر بديل.
المعبر سيفتح خلال أيام للأفراد فقط، وليس لدخول الشاحنات، التي تم تخصيص ثلاثة أو أربعة معابر لدخولها، ووفقاً للآلية التي تم الإعلان عنها فإن دولة الاحتلال تشترط تسهيل مغادرة أي أعداد من الغزيين عبر المعبر، حتى دون تدقيق أمني، هو متروك لموظفي المعبر الفلسطينيين، والبعثة الأوروبية والجانب المصري، ولكن دولة الاحتلال تصرّ على وضع سقف للعائدين لا يزيد على 50، يخضعون لتدقيق أمني مباشر.
الصيغة التي يتحدث عنها الإسرائيليون بشأن آليات وأعداد المغادرين والقادمين، تعني أن المعبر ليس مفتوحاً وفق ما تضمّنته خطة ترامب، التي تنص على حرية الحركة في الاتجاهين.
حتى لو تم التدقيق في بطاقات هوية العائدين، فإن الحاجز الأمني الذي ستقيمه دولة الاحتلال بعد خروج الناس من المعبر سيشكّل فخاً للاعتقال، بذرائع مختلفة، أو أنهم سيعانون قدراً هائلاً من الإذلال، حتى لا يتجرأ آخرون على العودة.
هذه الآلية، تكشف بوضوح لا لبس فيه أن دولة الاحتلال لا تزال تعمل بكل الطرق والوسائل لإفراغ القطاع من سكانه، فمن لا يغادر عليه أن يتحمّل المزيد من العذاب.
إن موافقة الإدارة الأميركية على هذه الآلية وصمتها على ما تقوم به دولة الاحتلال، يشيران إلى حالة من التواطؤ والشراكة، في مخطط التهجير والاقتلاع، وبأن الطرفين يتبادلان الأدوار إزاء تحقيق الهدف ذاته.
تماماً كما تشير وقائع الأشهر التي تلت دخول خطة ترامب حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول المنصرم، حيث صمتت الإدارة الأميركية ومبعوثوها عن الخروقات الإسرائيلية التي لم تتوقف، وأدت إلى استشهاد أكثر من 480 مواطناً، وإصابة مئات آخرين.
والإدارة الأميركية، أيضاً، تواطأت مع السياسة الاحتلالية الإسرائيلية إزاء عدد الشاحنات التي تحمل المساعدات، وتخالف تماماً ما تمّ الاتفاق عليه.
واقعياً، ودون الحاجة إلى الأرقام والدلائل، فإن الدولة العبرية لم تلتزم بأي اتفاق، حتى حين توافق عليه، وأيضاً أن الإدارة الأميركية، تواصل حماية الأخيرة، والتغطية على انتهاكاتها المستمرة، والأهداف التي تقف خلفها.
وفي هذا السياق، ثمة ما يبدو على أنه خلاف أمروإسرائيلي بشأن كل ملف التعامل مع السلاح، توقيتاً وآليات وأنواعا.
ففي حين تستعجل إدارة ترامب، البدء بالإعمار قبل التعامل مع ملف سلاح المقاومة، فإن دولة الاحتلال تشترط سحب السلاح قبل البدء بالإعمار ما يعني، أيضاً، تعطيل اللجنة الوطنية الفلسطينية عن مباشرة مهامها الإنسانية والإدارية.
وفي حين تتعطّل مسألة تشكيل قوة حفظ الاستقرار، بسبب «فيتو» إسرائيلي على مشاركة قطر ومصر وتركيا، فضلاً عن امتناع الكثير من الدول عن المشاركة في قوة قتالية ذات أهداف أمنية، فإن دولة الاحتلال تراهن على الدور الذي ينتظر الميليشيات التي تدعمها في خلق فوضى عارمة في القطاع.
كيف ستتعامل إدارة ترامب مع هذه الاعتراضات التي تخلقها دولة الاحتلال لتعطيل تنفيذ خطة ترامب؟ من الخطأ المراهنة على أن يحدث اصطدام بين أميركا ودولة الاحتلال والأرجح أن إدارة ترامب ستجد الطريقة لمعالجة هذه العقبات دون أن تغادر موقفها الداعم للأخيرة.
هنا يدخل دور الوسطاء والمشاركين العرب والمسلمين في المجلس الوسيط، الذي يتمتّع بطابع تنفيذي وعلى هؤلاء أن يثبتوا أن مشاركتهم كانت مدروسة، وليست التحاقاً تجنباً لغضب ترامب، أو بسبب تقديرات سياسية خاطئة وغير محسوبة. وفي الأصل فإن الأمر معلّق في رقبة ترامب الذي وضع ثقله على المحك، ويرغب بقوة في تحقيق نجاح يُنسب إليه، ويُعزّز ادّعاءه بالسعي من أجل السلام.

شاركها.