في تغريدة نشرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على منصة “تروث سوشيال” في 27 يناير 2026، حذر العراق من إعادة تعيين نوري المالكي رئيساً للوزراء، قائلاً إن الولايات المتحدة التي ترحب بالجولاني المتخرج من جامعات الإرهاب الكبرى، “لن تساعد العراق بعد الآن” إذا حدث ذلك، مشيراً إلى أن فترة المالكي السابقة أدت إلى “الفقر والفوضى التامة”.
هذه التغريدة تمثل تدخلاً سافراً وغير مقبول في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة مثل العراق. إنها تكشف عن الوجه الحقيقي للسياسة الأمريكية التي تتعامل مع العراق كما لو كان إقطاعية تابعة، لا دولة مستقلة.
و يأتي تدخل ترامب في وقت حساس، حيث يواجه العراق تحديات في تشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات البرلمانية في نوفمبر العام المضي، والتي أدت إلى تنحي رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني لصالح مرشحين آخرين، بما في ذلك المالكي. لكن ما يجعل هذا التدخل مثيراً للسخرية هو السيطرة الأمريكية الفعلية على الأرض العراقية. الولايات المتحدة تمتلك قواعد عسكرية منتشرة في العراق، الكثير منها غير معلن عنه، مع آلاف الجنود والقوات القتالية، وتهيمن على جزء كبير من الأموال العراقية من خلال آليات مالية يقررها البنك الفيدرالي الأمريكي . هذه الهيمنة تمنح واشنطن نفوذاً مباشراً في القرارات السياسية والاقتصادية العراقية. فكيف يمكن لترامب أن يهدد بوقف “المساعدة” بينما بلاده تمارس سيطرة حقيقية تشبه الاحتلال؟
هذا الموقف الأمريكي يعكس تاريخاً طويلاً من التدخلات، من غزو 2003 غير المبرر وغير المشروع ، إلى الضغوط الحالية. ترامب، الذي يدعي أنه يدافع عن “الديمقراطية”، يتجاهل أن اختيار رئيس الوزراء هو شأن عراقي داخلي، يجب أن يقرره البرلمان والقوى السياسية المحلية دون إملاءات خارجية.
إن تهديده بقطع الدعم الذي هو مزحة مالية لاتقارن بحجة السرقات الأمريكية لثروات العرق، ليس سوى محاولة لفرض مرشح “توافقي” يخدم المصالح الأمريكية، مثل السوداني أو مصطفى الكاظمي، اللذين يُنظر إليهما كأكثر انصياعاً لواشنطن و مشروعها الكبير في التطبيع، وفرض الكيان الصهيوني كقوة إقليمية كبرى في المنطقة .
في المقابل، يبرز الموقف الإيراني كنموذج للرفض الواضح للتدخل في الشؤون الداخلية العراقية. تصريحات المسؤولين الإيرانيين، بما في ذلك تلك المتعلقة بالانتخابات البرلمانية الأخيرة، تؤكد على عدم التدخل في اختيار رئيس الوزراء أو أي قرار داخلي آخر. على سبيل المثال، أكد رئيس الوزراء العراقي نفسه أن إيران لا تتدخل في شؤون بغداد، مشدداً على الطبيعة البناءة للعلاقات بين البلدين. بل إن إيران غالباً ما تندد بالتدخل الأمريكي، معتبرة إياه “مضراً” وتهديداً للسيادة العراقية.
ومع ذلك، يستمر الخطاب الأمريكي وتوابعه ، بما في ذلك من ترامب، في اتهام إيران بـ”احتلال” العراق أو ممارسة نفوذ غير مشروع. هذا الاتهام يبدو فارغاً أمام الحقائق:
إيران لا تمتلك قواعد عسكرية في العراق، ولا تهيمن على أموالها، ولا ترسل قوات قتالية لفرض إرادتها. النفوذ الإيراني، إن وجد، هو نفوذ ثقافي وسياسي نابع من الروابط التأريخية والدينية بين الشعبين، لا من الاحتلال العسكري، وهو نفوذ متبادل إذ للعراق نفوذ في إيران أيضاً. فكيف يمكن لأمريكا، التي غزت العراق ودمرت بنيته التحتية، أن تتهم إيران بالاحتلال بينما هي نفسها تمارس السيطرة الفعلية؟ هذه الازدواجية تكشف عن أجندة سياسية تهدف إلى تشويه صورة إيران لتبرير الهيمنة الأمريكية.
الخطأ الكبير: الترويج لمباركة كاذبة من الخامنئي
يأتي تدخل ترامب مدعوماً بخطأ كبير وقع فيه بعض الأطراف العراقية، وهو الترويج لمباركة كاذبة غير موجودة أصلاً من قبل السيد علي الخامنئي لاختيار المالكي رئيساً للوزراء. هذه الشائعات، التي انتشرت في بعض الدوائر، قد تكون الذريعة التي يتحجج بها ترامب وأتباعه لاتهام إيران بالتدخل.
في الواقع، لا توجد أي تصريحات رسمية من السيد الخامنئي أو مكتبه تدعم هذا، وهي مجرد محاولات لتشويه الصورة وتبرير الضغوط الأمريكية. هذا الخطأ يعطي الخصوم ذريعة للادعاء بأن هناك “نفوذاً إيرانياً”، بينما الواقع يظهر تدخلاً أمريكياً مباشراً.
نعم، المالكي لا يحظى بتأييد المرجعية العليا في النجف، وكان يجب عليه كسب رضاها (بالأفعال وهو يعرف ما أعني) منذ البداية. لكن هذا لا يبرر التدخل الأجنبي. على العكس، يجب على الإطار التنسيقي الشيعي معالجة هذا الوضع داخلياً، من خلال رفض الإملاءات الأمريكية بشدة والإصرار على مرشحهم المالكي، أو اختيار آخر غير جدلي من حزب الدعوة أو حتى من الجماعات المعارضة له داخل الإطار نفسه. لكن إياكم والرضوخ للضغوط بحجة “المرشح التوافقي”، الذي غالباً ما يكون مرشحاً أمريكياً بامتياز، مثل السوداني أو الكاظمي مرة أخرى. هذا الرضوخ لن يؤدي إلا إلى تعزيز الهيمنة الأجنبية وإضعاف السيادة العراقية،خصوصاً وأن المخطط الأكبر هو شن هجوم واسع على ايران ، واستخدام العراق مخلب قط في هذه المواجهة الوجودية .
في النهاية، يجب على العراقيين رفض تغريدة ترامب وكل ما تمثله من تدخل سافر. المقارنة بين الموقفين الأمريكي والإيراني تكشف عن التناقض: أمريكا تتدخل بعنفوان عسكري واقتصادي، بينما إيران تؤكد على عدم التدخل. حان الوقت للإطار التنسيقي والقوى السياسية العراقية أن تتحد لفرض إرادة الشعب، بعيداً عن الإملاءات الخارجية. فقط بهذا الرفض يمكن للعراق استعادة سيادته الكاملة، وإنهاء عصر الاحتلال المقنع.
كاتب عربي مختص بالشأن الايراني