وصلنا إلى طبقة جديدة أُضيفت إلى “رواية” الإسرائيليين التقليدية عن علاقة دولتهم “بالغرب” وأهميتها السياسية، ورمزية وجودها. الطبقة الجديدة ليست من صنعهم، في المقام الأوّل، بل من صنع المسيحية الإنجيلية. وهي ليست ظاهرة جديدة في تاريخ الفكر الديني المسيحي منذ عصر النهضة، ولا في تاريخ البروتستانتية الغربية، والولايات المتحدة. لذا، تستمد أهميتها الاستثنائية، في الوقت الحاضر من حجمها الديموغرافي، ووزنها الانتخابي في لعبة الانتخابات الأميركية، ومكانتها في العمارة الأيديولوجية لليمين الأميركي، والغربي عموماً.

يؤيد 77 بالمائة من المسيحيين الإنجيليين الدولة الإسرائيلية لأسباب لاهوتية. لذا، لا تجدي معهم المرافعات العقلانية. فهي تمثل، في نظرهم، تحقيقاً لنبوءة توراتية، ووجودها لا غنى عنه لأنه يُمهد الطريق إلى عودة المُخلّص. وهذا يضعها في حالة تضاد تام مع اليهودية الأرثوذكسية، الديانة التي حكمت مجتمعات اليهود، ومخيالهم الديني والسياسي منذ خراب الهيكل الثاني، في القرن الأوّل للميلاد، وحتى أواخر القرن التاسع عشر، عندما نكث الصهاينة المتدينون بالأيمان الثلاثة (خلاصتها انتظار الخلاص الإلهي) بدعوى تعجيل الخلاص.
على أي حال، تتراوح أعداد المسيحيين الإنجيليين ما بين 78 – 100 مليون نسمة، في الولايات المتحدة، وقد صوّت 80 بالمائة منهم لدونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأخيرة (2024) كما صوّت له 81 بالمائة منهم في انتخابات 2016. وهذا يعني أن المذكور ـ الذي يمثّل ظاهرة استثنائية في تاريخ علاقة الرؤساء الأميركيين بإسرائيل ـ مدين بوجوده، مرتين، في البيت الأبيض لهؤلاء.
ثمة زاوية مُظلمة، ومُعادية لليهود في التصوّرات اللاهوتية للمسيحيين الإنجيليين، فعودة المُخلّص مشروطة، في نظرهم، بتجميع يهود العالم في الدولة اليهودية، واعتناقهم للمسيحية بصورة جماعية دفعة واحدة. تروي المفكرة البريطانية المرموقة جاكلين روز قصة اللقاء اليتيم، الذي جمعها بنتنياهو، وردّه على تعليق لها، عن عداء المسيحيين الإنجيليين للسامية لأنهم يطالبون اليهود بالتخلي عن ديانتهم، قائلاً: “عندما نصل إلى هذا الحد سنناقش الموضوع”.
ينطوي كلام نتنياهو على قدر واضح من الرعونة، بطبيعة الحال. وما يعنينا، الآن، أن المسيحية الإنجيلية، بما لها من الثقل العددي والانتخابي، تمثل مكوّناً عضوياً في البنية الاجتماعية، والرافعة الأيديولوجية، والعمارة السياسية، لليمين الأميركي (والغربي) الذي يقود انقلاباً، على مستويات مختلفة، ضد عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، والعولمة، وأنظمة الديمقراطية الليبرالية في الغرب.
ومع هذا في البال، فلنقل: إن تعبير اليمين لا يبدو واضحاً بصورة كافية، وتجتمع تحت مظلته الواسعة أطياف وأشباح مختلفة لا منسجمة، ولا موّحدة، بل تنطوي على تناقضات كثيرة توحّد معتنقيها أفكار تتراوح ما بين العداء للأزمنة الحديثة، والذعر من ظاهرة العولمة. وتتراوح في الحالة الأميركية، على نحو خاص (ومعطوفة على هذه الأشياء مجتمعة) بين نزعتين على قدر متساو من التناقض والعمق والأهمية هما الانعزالية والانفتاح على العالم. ومن الواضح أن نهاية الحرب الباردة هي التي أعادت الأشباح إلى متن الصراع على السياسات العامة، الذي غالباً ما يموّه نفسه في تعبيرات من نوع صراعات الهوية والمصير.
يمكن العثور على ترجمات، وتأويلات فلسفية، للانعزالية والانفتاح في مرافعتين لاثنين من علماء السياسة في أميركا، صدرتا بعد نهاية الحرب الباردة، وأثارتا قدراً من النقاش لم يخمد حتى الآن، هما “صدام الحضارات” لهنتنغتون، و”نهاية التاريخ” لفوكوياما. ففي حين اعتبر الأوّل أن الصدام واقع لا محالة على خطوط حضارية (هوياتية) للتماس بين كتل حضارية مختلفة، توقّع الثاني تعميم نموذج الديمقراطيات الليبرالية، أو قيمها على الأقل، في مناطق مختلفة من العالم.
تبدو الأولوية، وبقدر ما تجلى من حراك في العقود القليلة الماضية، معقودة للمرافعة الأولى، ويبدو صراع المسيحية الغربية ضد الإسلام، والأرثوذكسية الروسية، والطاوية الصينية، خلاصة موضوعية لصدام الحضارات. وفي هذا السياق، بالتحديد، يتموضع الموقف من إسرائيل، في صميم البنية الأيديولوجية للقوميات المسيحية والبيضاء من ناحية، وساحة لصراعات الهوية والمصير، على خطوط التماس بين قوى اجتماعية وسياسية على طرفَي نقيض في الولايات المتحدة من ناحية ثانية.
والمفارقة، في هذا الشأن (بمعنى أن الأيديولوجيا مجرد قناع لمصالح مادية يمكن تعريفها بطريقة أفضل دائماً) أن صعود اليمين الأميركي، الذي أطلقت الريغانية عقاله، ترافق مع، وتُرجم في، عودة الجمهوريين إلى موقع الأغلبية في الكونغرس (1994) بعد أربعين عاماً من التيه السياسي. والأهم، بقدر ما يتصل الأمر بموضوعنا، أن العودة الظافرة إلى موقع الأغلبية ترافقت مع رئاسة شخص اسمه نويت غنغرتش للكونغرس. وقد فوجئ الناس في أواسط التسعينيات، عندما خرج هذا الشخص بكلام مفاده أنه لا وجود لشيء اسمه الشعب الفلسطيني.
كانت تلك قمة رأس جبل الجليد العائم، وكانت المياه الجوفية تفعل فعلها في الأعماق: الجنوب الذي يسعى للثأر بعد هزيمة تاريخية في الحرب الأهلية الأميركية، المسيحية الإنجيلية التي تعيد ترتيب أوراقها في حقل السياسة، وفي الخلفية تتعرّض الأفكار التقدمية، واليسارية، للتهشيم تحت ثقل الركام الهائل لانهيار الاتحاد السوفياتي والكتلة الاشتراكية، ويبدو اليمين (يمين ماذا ومَنْ، لا يهم) موجة المستقبل الصاعدة، وتبدو إسرائيل نقطة إجماع مركزية ـ بدلالات حضارية وسياسية تتجاوز الشرق الأوسط، وخصوصيات الحرب البادرة، والصراع في فلسطين وعليها ـ لقوى مختلفة تحت راية اليمين. وهذا ما يتجلى الآن في سياسات النخبة الأميركية الحاكمة، وبطريقة مُفزعة تماماً. فاصل ونواصل.

شاركها.