في مشهد قانوني حمل أصداء واسعة داخل الأوساط القضائية والتشريعية، أخطرت هيئة المفوضين بـالمحكمة الدستورية العليا المستشار محمد شوقي، النائب العام، بالحكم الصادر في جلستها الأخيرة، والذي قضى بعدم دستورية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية رقم 600 لسنة 2023، بشأن استبدال جداول المواد المخدرة الملحقة بالقانون رقم 182 لسنة 1960 الخاص بمكافحة المخدرات.
الحكم، الذي اعتبره قانونيون نقطة تحول فارقة، لم يتوقف أثره عند حدود إلغاء قرار إداري، بل امتد ليهز مئات القضايا المنظورة أمام المحاكم، بل ويفتح باب إعادة النظر في أحكام صدرت بالفعل استنادًا إلى القرار المقضي بعدم دستوريته. وبين سطور هذا الحكم، تتجلى معركة قانونية عنوانها الأبرز.. “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص دستوري صحيح”.
خلفية القرار.. كيف بدأت الأزمة؟
في عام 2023، صدر قرار رئيس هيئة الدواء المصرية باستبدال جداول المواد المخدرة الملحقة بقانون مكافحة المخدرات، متضمنًا إدراج أنواع كيميائية جديدة ضمن تلك الجداول، مع حظر تداولها وتشديد العقوبات المرتبطة بها. القرار جاء في سياق جهود الدولة لملاحقة المواد التخليقية المستحدثة التي ظهرت في السوق، والتي كان يُنظر إليها باعتبارها تهديدًا متزايدًا للصحة العامة.
لكن سرعان ما أثير جدل قانوني حول الجهة المختصة بإجراء هذا التعديل. فالقانون رقم 182 لسنة 1960 يُنيط بوزير الصحة سلطة تعديل الجداول الملحقة به، وهو ما دفع عددًا من المتهمين في قضايا مخدرات للطعن على القرار بدعوى صدوره من غير ذي صفة.
الطعن وصل إلى المحكمة الدستورية العليا، التي فصلت في النزاع بحكم قاطع: القرار غير دستوري، لأنه صدر من جهة لا تملك سلطة التشريع أو التعديل في هذا الشأن.
حيثيات الحكم.. تجاوز للاختصاص ومخالفة للدستور
رأت المحكمة أن إصدار قرار بإدراج مواد جديدة في جدول المخدرات يُعد في جوهره عملاً تشريعيًا، نظرًا لما يترتب عليه من إنشاء جرائم أو تشديد عقوبات. وبما أن مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات يُعد من المبادئ الدستورية المستقرة، فإن أي تعديل يمس هذا المجال يجب أن يصدر من الجهة المختصة ووفق الأداة القانونية السليمة.
المحكمة اعتبرت أن رئيس هيئة الدواء تجاوز حدود اختصاصه، واعتدى على صلاحيات وزير الصحة المخولة له قانونًا. وهو ما يشكل مخالفة دستورية صريحة، ويهدر مبدأ الفصل بين السلطات.
ومع ذلك، شددت المحكمة على أن الحكم لا يعني بأي حال إباحة المواد المخدرة أو تعطيل تطبيق قانون مكافحة المخدرات، وإنما يقتصر على إبطال الأداة غير الدستورية التي تم بها تعديل الجداول.
المادة 49.. النص الحاسم في تنفيذ الحكم
تستند الآثار القانونية للحكم إلى نص المادة 49 من قانون المحكمة الدستورية العليا، التي تقضي بأن أحكام المحكمة في الدعاوى الدستورية ملزمة لجميع سلطات الدولة وللكافة، وتُنشر في الجريدة الرسمية خلال خمسة عشر يومًا على الأكثر من تاريخ صدورها.
الأهم من ذلك أن النص يُقرر أثرًا استثنائيًا في المواد الجنائية، حيث يعتبر الحكم الصادر بالإدانة استنادًا إلى نص قضي بعدم دستوريته كأن لم يكن. كما يُلزم رئيس هيئة المفوضين بإبلاغ النائب العام فور النطق بالحكم لاتخاذ الإجراءات اللازمة.
وبالفعل، تم إخطار النائب العام رسميًا، ما يضع النيابة العامة أمام مسؤولية مباشرة في تنفيذ مقتضى الحكم، سواء بوقف تنفيذ العقوبات أو إعادة عرض القضايا على المحاكم المختصة.
حكم كاشف لا منشئ
في هذا السياق، أكد الدكتور محمد إبراهيم، عميد كلية الحقوق جامعة طنطا، في تصريح خاص، أن الحكم يُعد من الأحكام الدستورية الكاشفة، وليس المنشئة، مما يعني أن العيب الدستوري كان قائمًا منذ صدور القرار المطعون عليه، وبالتالي فإن آثاره تمتد إلى الماضي.
حكم كاشف لا ينشئ مركزًا قانونيًا جديدًا
وأوضح عميد حقوق طنطا، أن أحكام الدستورية العليا بطبيعتها كاشفة لحقيقة العوار الدستوري الذي شاب النص منذ لحظة صدوره، وهو ما يترتب عليه اعتبار القرار كأن لم يكن.
وأضاف: “القاعدة المستقرة فقهيًا وقضائيًا أن الحكم بعدم الدستورية يُسقط النص من تاريخ صدوره، لا من تاريخ الحكم، وهو ما ينعكس مباشرة على جميع القضايا التي استندت إليه”.
وأشار إلى أن قرار رئيس هيئة الدواء بتعديل جداول المخدرات، والذي قضت المحكمة بعدم دستوريته، صدر من جهة غير مختصة تشريعيًا بإجراء هذا التعديل، بما يخالف مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات المنصوص عليه دستوريًا، ويُعد افتئاتًا على اختصاص وزير الصحة المخول له قانونًا تعديل تلك الجداول.
ماذا عن القضايا المنظورة أمام المحاكم؟
وحول القضايا التي لا تزال متداولة أمام محاكم الجنايات أو النقض، شدد الدكتور محمد إبراهيم على أن المحاكم باتت ملزمة بإعمال حكم الدستورية فورًا، وفقًا لنص المادة 195 من الدستور، والمادتين 48 و49 من قانون المحكمة الدستورية العليا.
وبيّن أن جميع الوقائع التي أُحيلت إلى المحاكمة استنادًا إلى القرار رقم 600 لسنة 2023، ولم يصدر فيها حكم نهائي بعد، يجب أن تنتهي إما بالبراءة أو بعدم العقاب استنادًا إلى زوال الأساس القانوني للتجريم المشدد الذي استحدثه القرار.
وأضاف: “إذا كان الاتهام قد بُني على إدراج مادة معينة ضمن جدول أشد عقوبة بقرار غير دستوري، فإن هذا الأساس ينهار، ويعود الأمر إلى الجداول الأصلية السارية قبل التعديل غير المشروع”.
مصير الأحكام الباتة.. بين الوقف وإعادة المحاكمة
أما عن الأحكام التي أصبحت نهائية، فقد أوضح عميد حقوق طنطا أن المسألة هنا تخضع لأثر الحكم الدستوري على الأحكام الباتة في المواد الجنائية، وهو أثر استثنائي يهدف إلى حماية الحرية الشخصية.
وأكد أن النائب العام، بمجرد إخطاره بالحكم، يصبح ملزمًا بوقف تنفيذ العقوبات الصادرة استنادًا إلى النص المقضي بعدم دستوريته، تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات القانونية لإعادة عرضها على المحكمة المختصة.
وأشار إلى أن تنفيذ العقوبة يجب أن يُوقف فورًا، يجوز للمتهمين أو ذويهم التقدم بطلبات لإعادة النظر، تلتزم الجهات القضائية بإعادة تقييم الأحكام في ضوء الجداول القانونية الصحيحة.
وأضاف أن الفلسفة الدستورية في هذا الشأن تقوم على مبدأ أنه “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص صحيح دستوريًا”، وبالتالي فإن استمرار تنفيذ حكم صدر استنادًا إلى نص منعدم دستوريًا يُعد مساسًا جسيمًا بضمانات العدالة.
لا فراغ تشريعي.. والقانون ما زال قائمًا
وفي معرض رده على المخاوف المثارة بشأن وجود “فراغ تشريعي”، أوضح الدكتور محمد إبراهيم أن الحكم لم يُلغِ قانون مكافحة المخدرات رقم 182 لسنة 1960، وإنما أبطل أداة غير مشروعة لتعديل الجداول الملحقة به.
وبيّن أن الجداول الأصلية الملحقة بالقانون، وتعديلاتها الصحيحة الصادرة من الجهة المختصة قانونًا، تظل سارية ونافذة، وتُطبق على الوقائع محل الاتهام.
وقال: “الحديث عن إباحة تعاطي أو الاتجار بمواد مخدرة أمر غير دقيق قانونًا، فالقانون ما زال قائمًا، لكن التشديد الذي تم بقرار غير دستوري هو الذي سقط”.
وأكد أن الأمر يتطلب تدخلًا عاجلًا من السلطة المختصة لإعادة تنظيم الجداول بقرار يصدر وفق الأداة الدستورية الصحيحة، تجنبًا لأي لبس أو استغلال.
احترام مبدأ الفصل بين السلطات
واعتبر عميد حقوق طنطا أن الحكم يمثل انتصارًا واضحًا لمبدأ سيادة القانون والفصل بين السلطات، مؤكدًا أن التجريم والعقاب من أخطر مظاهر السلطة العامة، ولا يجوز التوسع فيهما إلا من خلال أدوات تشريعية صحيحة.
وأشار إلى أن المحكمة الدستورية أرست مبدأ مهمًا مؤداه أن التفويض التشريعي لا يُفترض ولا يُتوسع فيه، وأن أي جهة إدارية تتجاوز حدود اختصاصها تقع قراراتها في دائرة الانعدام الدستوري.
رسالة إلى المنظومة التشريعية
واختتم الدكتور محمد إبراهيم تصريحه بالتأكيد على أن هذا الحكم يمثل درسًا مهمًا في ضرورة الالتزام الصارم بحدود الاختصاصات القانونية، خاصة في المسائل ذات الطبيعة الجنائية.
وأضاف: “المساس بالحرية الشخصية يستوجب أعلى درجات الانضباط الدستوري. وأي خطأ في الأداة القانونية قد يترتب عليه سقوط منظومة كاملة من الإجراءات والأحكام”.
وشدد على أن المرحلة المقبلة ستشهد تحركات قانونية واسعة لإعادة ترتيب أوضاع القضايا المتأثرة بالحكم، مؤكدًا أن القضاء المصري يمتلك من الآليات القانونية ما يكفل تحقيق العدالة، وصون الحقوق، وتنفيذ أحكام الدستور.
لم يكن حكم المحكمة الدستورية العليا مجرد إلغاء قرار إداري، بل كان إعادة ترسيم لحدود السلطة في مجال التجريم والعقاب. وبينما تتجه الأنظار إلى النيابة العامة والمحاكم لإعمال مقتضى الحكم، يبقى الثابت أن سيادة الدستور تظل فوق كل اعتبار.
في دولة القانون، لا تكفي النوايا الحسنة لمواجهة الجريمة، بل يجب أن تسير كل خطوة في إطار الاختصاص الصحيح والأداة المشروعة. فحين يُمسّ التجريم بغير سند دستوري سليم، تتدخل المحكمة لتعيد الأمور إلى نصابها، وتؤكد أن الحرية الشخصية خط أحمر، وأن الشرعية الجنائية قاعدة لا تقبل الاستثناء.
وهكذا، يظل الحكم علامة فارقة في مسار العدالة الدستورية، ورسالة واضحة بأن الدستور ليس نصًا يُقرأ، بل عهدًا يُحترم.
