يشدد الرئيس الفلسطيني محمود عباس بشكل متكرر على ضرورة فتح حركة فتح جبهة المقاومة الشعبية السلمية في مدن الضفة الغربية، وهو أمر أو رجاء طالما نادى به خلال المؤتمرات العامة للحركة التي يرأسها.
ويعتبر الرئيس “أبو مازن” ضمن رؤيته السياسية، أن المقاومة الشعبية سلاح فعال ضد الاحتلال، وأداة هامة تساند” الكفاح السياسي” بأدواته الدبلوماسية، ويثني دوما على الانتفاضة الأولى “انتفاضة الحجارة” (1987 1994)، وهي الانتفاضة التي جعلت القضية الفلسطينية تحتل صدارة العالم بوصفها قضية شعب تحت الاحتلال ينشد الحرية والاستقلال.
“تصور” الرئيس عباس و”مطلبه” له ما يبرره سياسيا خاصة بعد النتائج العكسية للانتفاضة الثانية المسلحة “انتفاضة الأقصى” (20002005) بعدما نجحت وحشية قوات الاحتلال في جر الفصائل وفي مقدمتها حركة فتح بقيادة الشهيد ياسر عرفات، إلى حلبة المواجهة العسكرية، وأدت إلى إراقة الكثير من الدماء وحطمت قدرات السلطة الوطنية، وزادت من نفوذ حركة حماس والجماعات المسلحة، وكسرت الوجود السياسي لمنظمة التحرير، وعززت الروايةالإسرائيلية التي تدعي غياب “شريك للسلام”، وصولا إلى الشرخ الوطني بالانقسام، وطرد السلطة الفلسطينية وتولي حركة حماس الحكم بقوة السلاح.
نهاية العام المنصرم (22122025) شددت مركزية فتح على “ضرورة إحياء المقاومة الشعبية وتطويرها بمختلف أشكالها، والتأكيد على أهمية تفعيل عمل لجان الحماية في مختلف المناطق”، لكن عمليا فشلت الحركة في استنهاض هذا الشكل النضالي المطلوب في ضوء مشاريع تهويد الضفة وتسارع الاستيطان وتدمير مقومات “مشروع الدولة”، خاصة مع بروز أهمية هذا النضال بعد حرب غزة المدمرة، وعودة القضية الفلسطينية لساحات التأثير الشعبية والثقافية في العالم بقوة.
وعند البحث في أسباب الفشل، يظهر أن حركة فتح تحولت لجهاز حكومي يعمل غالبية عناصرها في مؤسسات السلطة الفلسطينية، ويغرقون في “الطبيعة الوظيفية” لعملها، ومخاوفهم تلاشي “الوظيفة” – وهو تخوف انساني طبيعي في ضوء استمرار حجز أموال المقاصة كمورد أساسي للحكومة الفلسطينية، هذا الكادر التنظيمي أصبح جزء من ماكينة واسعة للسلطة بدورها الأمني والتعليمي والصحي، وانفصل نفسيا وفكريا عن “الدور النضالي التحرري” ويعتبر أن عمله الوظيفي في القطاعات الحكومية “مقاومة للاحتلال وتعزيز للصمود” وهو التباس يحتاج لتفنيد ونقاش مُجدي وتحديد مسارات متجاورة لا متناقضة.
لكن ماذا عن قطاع واسع من نشطاء الحركة في ضوء نتائج الانتخابات النقابية في القطاعات التعليمية والمهنية، التي تفوز فيها الحركة بأغلبية، وغيابها عن هذا الدور النضالي المطلوب بشدة لاستعادة الحركة دورها الشعبي التحرري والنضالي واسناد حضور منظمة التحرير في العالم، وتعزيز الجهاز الدبلوماسي الذي يقوده الرئيس شخصيا.
إذا كان الجهد الدبلوماسي يشهد تحرك مهم أفضى بمساعدة سعودية فرنسيةمؤخرا لنتائج مهمة في الحفاظ على فكرة “الدولة الفلسطينية” مع سجل من قرارات مؤسسات الأمم المتحدة المساندة، رغم الاستهداف الصهيوني الأمريكي لشرعية هذه المؤسسة الدولية بهدف تصفية القضية الفلسطينية واخراجها من طاولة الأمم والدول الى طاولة مجلس السلام بقيادة الرئيس الأمريكي ترامب.
حركة فتح أمام اختبار وجودها أولا، وقدرتها على دعم قوة مؤسسة السلطة الفلسطينية بوصفها أكبر أدوات منظمة التحرير الفلسطينية للحفاظ على ما تبقى من “الكيانية السياسية والخدماتية”، لذلك الفشل في تنفيذ مواجهة شعبية سلمية يعني ارتكاز العمل السياسي والدبلوماسي على “هشاشة نضالية ميدانية” وخسارة ورقة قوة رابحة تُعيد للقضية حضورها المؤثر وتنزع أدوات العنف والحرب من جيش الاحتلال وحكومته الإرهابية.
