تصريحات عزّام الأحمد قد تبدو صادمة للبعض، ومفهومة للبعض الآخر، لكنها في كل الأحوال لحظة أربكت الرواية التقليدية، وكشفتهشاشة المشهد الفلسطيني أكثر مما تكشف نوايا شخص واحد. ففي واقع منقسم ومأزوم، يتحول كل موقف إلى مادة للتأويل، وكل كلمة إلى اختبار للذاكرة والهوية والانتماء. يبقى السؤال الأهم ليس ماذا قال الأحمد، بل لماذا أصبح النظام السياسي الفلسطيني عاجزًا عن إنتاج موقف وطني واضح لا يبدو متناقضًا مع ذاته؟

عند هذه النقطة، لا يعود الجدل حول تصريحات بعينها، بل حول مستقبل مشروع سياسي كامل ما زال يبحث عن لغة مشتركة بين المقاومة والدولة، بين الذاكرة الجريحة والأفق المؤجل.

حين يدافع قيادي بارز في حركة فتح، وهي الحركة التي بنت شرعيتها الحديثة على خيار التسوية السياسية عن سلاح حركة حماس، فإن الصدمة لا تنبع من مضمون الفكرة فقط، بل من انهيار الحدود التقليدية بين الفرقاء. فالمشهد الفلسطيني اعتاد على ثنائية واضحة: سلطة مقابل مقاومة، برنامج سياسي مقابل برنامج عسكري، رام الله مقابل غزة. لكن الواقع بات أكثر سيولة، حتى أصبحت اللغة السياسية نفسها عاجزة عن توصيف ما يحدث.كلمات الأحمد بدت، للبعض، وكأنها دفاع عن خصم تاريخي، وللبعض الآخر محاولة لحماية ثابت وطني من الابتلاع تحت ضغط مشاريع خارجية. غير أن القراءتين معًا تكشفان حقيقة أعمق: لم يعد الانقسام مجرد خلاف بين فصيلين، بل أصبح بنية ذهنية تُعيد تفسير كل شيء عبر مرآته.

في قطاع غزة تحديدًا، لا تسمح الذاكرة بالحياد. فلا يُنظر إلى السلاح بوصفه مفهومًا نظريًا أو رمزًا مجردًا للمقاومة، بل بوصفه تجربة اجتماعية وسياسية قاسية ارتبطت لدى الكثيرين بسنوات من الإقصاء والخوف، وبواقع ثقيل لا يزال قائماًز فالذاكرة ليست أرشيفًا، بل جزء من الحاضر. ومن ثمّ، فإن أي خطاب يتجاوز هذه الذاكرة يُستقبل كأنه إنكار لها، حتى لو لم يكن القصد كذلك.

تُرجح القراءة السياسية، أن تصريحات الأحمد لا تعبّر عن انقلاب فكري مفاجئ، بل عن محاولة للتكيّف مع واقع لم يعد يسمح بالخطابات القديمة. لكن المشكلة أن النظام السياسي الفلسطيني لا يملك إطارًا موحدًا لمناقشة القضية السلاح. فهل السلاح جزء من استراتيجية وطنية؟ أم ورقة تفاوض؟ أم عبء ينبغي التخلص منه؟ غياب الإجابة يحوّل كل موقف إلى تناقض محتمل.

ولا يمكن فصل كلام الأحمد عن تاريخه الطويل في ملف المصالحة، وهو ملف لم يصل إلى نتيجة رغم عشرات الاتفاقات والجولات. هذا الفشل المتراكم جعل أي تصريح يصدر عنه محمّلًا بشكوك مسبقة: هل هو محاولة جديدة للتقارب؟ أم إقرار ضمني باستحالة إنهاء الانقسام؟ أم مجرد خطاب تكتيكي؟ لكن الحقيقة أن المصالحة الفلسطينية لم تتعطل بسبب شخص واحد، بل بسبب معادلة معقدة: صراع على الشرعية، اختلاف في تعريف المشروع الوطني، وتدخلات إقليمية تجعل كل طرف مرتبطًا بحسابات تتجاوز الداخل.ولكن من الصحيح القول أيضًا أن من تولّى إدارة هذا الملف لسنوات لا يمكن إعفاؤه من مسؤولية استمرار تعثره.

في السياسة، التوقيت ليس برئياً، بل هو جزء من المعنى.فالتصريحات التي تُقال في لحظة عادية تختلف عن تلك التي تُقال في لحظة مفصلية. ومع تصاعد الحديث عن ترتيبات إقليمية ودولية لما بعد الحرب، يصبح الدفاع عن سلاح حماس رسالة سياسية بقدر ما هو موقف مبدئي. قد تكون الرسالة موجهة إلى الخارج: لا يمكن فرض حلول تتجاهل التوازنات الداخلية.  وقد تكون موجهة إلى الداخل: فتح ليست في موقع من يسعى لنزع سلاح المقاومة. وقد تكون ببساطة محاولة لحجز موقع في مشهد قادم لم تتضح ملامحه بعد.

الجدل الذي أثارته تصريحات الأحمد يعكس فراغًا أكبر من التصريح نفسه. ففي غياب استراتيجية وطنية جامعة، يصبح كل موقف فردي عرضة للتفسير المتناقض: خيانة عند طرف، وواقعية عند آخر، وبراغماتية عند ثالث. المشكلة إذن ليست في الكلمات، بل في غياب الإطار الذي يمنحها معنى واضحًا. فالمشروع الوطني الذي كان يفترض أن يوحّد الفلسطينيين حول هدف مشترك، بات نفسه محل خلاف: هل الأولوية للدولة أم للمقاومة؟ للشرعية الدولية أم للشرعية الشعبية؟ للوحدة أم للقدرة على الاستمرار كلٌ في موقعه؟

تصريحات عزّام الأحمد، مهما كان القصد منها، تكشف أن السياسة الفلسطينية لم تعد فنّ الممكن كما تُعرَّف تقليديًا، بل فنّ الاحتمالات المفتوحة. احتمالات لا تقود بالضرورة إلى حل، بل إلى استمرار القدرة على المناورة داخل واقع مأزوم. في مثل هذا الواقع، لا يعود السؤال من قال ماذا، بل كيف وصل النظام السياسي إلى مرحلة يبدو فيها أي موقف قابلًا لأن يكون صحيحًا وخاطئًا في آن واحد. وهنا يمكن القول إن الأحمد لم يفاجئ المشهد بقدر ما عبّر عنه: سياسة تحوّلت من أداة لتغيير الواقع إلى أداة للتكيّف معه، ومن مشروع للمستقبل إلى إدارة دائمة للحاضر. وعند هذه النقطة تحديدًا، يصبح أخطر ما في المشهد ليس التصريحات المتناقضة، بل اعتياد الجميع عليها… كأن التناقض نفسه أصبح اللغة الوحيدة الممكنة، وكأن الانقسام لم يعد أزمة طارئة بل صيغة حياة سياسية كاملة.

فبعد سبعة عشر عامًا، لم يعد ممكنًا الادعاء بأن الانقسام حادث طارئ أو نتيجة سوء تقدير. ما يستمر كل هذا الزمن لا يعيش بالصدفة، بل لأن هناك من يتكيّف معه، ومن يستفيد منه، ومن يخشى نهايته أكثر مما يخشى استمراره. وحين تصبح غزة خارج السلطة بحجة حماس، وخارج الدولة بحجة الانقسام، وخارج الحل بحجة التعقيد، فإنها تتحول إلى مساحة معلّقة تُدار أزمتها بدل أن تُنهيها أي جهة. عندها لا يعود السؤال من يحكم غزة، بل من يحتاج أن تبقى بلا حكم وطني موحّد.

الأخطر من تصريحات الأحمد إذن ليس مضمونها، بل احتمال أن تكون صادقة أكثر مما ينبغي. صادقة في كشف واقع لم يعد فيه الانقسام مشكلة تبحث عن حل، بل حلًّا غير معلن لمشكلات الجميع.وفي هذه اللحظة تحديدًا، يصبح أكثر ما يثير الخوف ليس أن تكون السياسة قد فشلت، بل أن تكون قد نجحت… نجحت في تحويل قضية تحرر إلى إدارة دائمة لأزمة، وفي تحويل الانقسام من جرح يجب مداواته إلى شرط أساسي لاستمرار النظام كله. وعندها، لا يبقى السؤال ماذا قال الأحمد، بل ما إذا كان قد أخطأ في التعبير… أم أنه قال الحقيقة التي لا يريد أحد الاعتراف بها: أن إنهاء الانقسام قد يكون أخطر على بعض الأطراف من بقائه.

شاركها.