متى يتطور مفهوم الثقافة في العالم العربي ، و متى نكف عن طرح الاسئلة و نتجاهل الأجوبة و الحلول؟ و من هو المسؤول عن تخلف او تقدم الثقافة في مجتمعاتنا العربية؟
لن يتطور مفهوم الثقافة في البلاد العربية إلا إذا تم تطوير النشاط الثقافي و علاقة الإنسان بالكتاب و نوعية هذا الكتاب. اطرح مثالا عن الوضع الثقافي في سوريا التي اعتقد أنها لا تختلف كثيرا عن حال اي بلد عربي إلا بالحدود الضيقة اقل او اكثر.
في بريطانيا مثلا، منذ السنة الدراسية الأولى للطفل في المدرسة ، هناك مادة المطالعة، كل اسبوع يجب على التلميذ أخذ كتاب من اختيار المعلمة و كتاب ثاني من اختياره، مرة في الاسبوع، هناك سيارة نقل تشبه باص المدرسة و هي عبارة عن مكتبة متنقلة ، تقف في كل شارع ، مثل سيارة الآيس كريم، و يهرع الأطفال اليها لانتقاء الكتب ، في بريطانيا في كل منطقة borough مكتبة لسكان تلك المنطقة، مكان جميل هادئ، فيه ركن للصحف الأجنبية و حتى العربية، الأعداد لمدة شهر، كراسي جلد مريحة ، تشعر انك في بيتك، تطالع الصحف و يوجد جهاز قهوة مجاناً حتى، إمكانية استعارة اثني عشر كتاب في كل مرة و إمكانية التجديد اونلاين كل شهر، لان ابن المنطقة عليه ان يحضر هويته و إثبات انه يعيش في تلك المنطقة حتى يحصل على بطاقة اشتراك مجانية عليها رقم منِ خلاله يستطيع استعارة الكتب و استعمال الكومبيوتر ، لذلك مشكلة شراء كتب باهظة الثمن لأصحاب الدخل المحدود لم تعد مشكلة، قسم كبير للأطفال فيه العاب و كل شي فيه مخصص للطفل، كراسي صغيرة الطاولات صغيرة و ملونة و يوجد ركن للألعاب ، الحمامات نظيفة و معطرة، حمام لذوي الاحتياجات الخاصة تتسع للكرسي المتحرك و فيه جهاز إنذار إذا تعرض الشخص لحادث طارئ ، التصميم الداخلي للمكتبة انيق و مريح و احيانا يطل على حديقة خلفية ، المكتبة مقسمة الى أقسام ، كتب السياسة، كتب التاريخ، كتب الخيال العلمي، كتب الجريمة و القصص البوليسية، كتب الفلسفة و الفكر، كتب السياحة و السفر ، قسم كتب اللغة العربية، قسم اللغة البولندية، مكان مناسب للمتقاعدين و ربات المنزل و حتى للطلاب الذين يحضرون للامتحانات بدل الدراسة في البيت، هذا الجو الراقي موجود على امتداد بريطانيا كلها و ليس محصورا في شارع واحد او مدينة واحدة، نفس الجودة و نفس المستوى من أقصى البلاد حتى قلب العاصمة و في كل borough مكتبتها الخاصة الضخمة التي يغرق فيها القارئ في متعة الكتب و المعرفة ، كل حسب ميوله.
السؤال هل من الصعب على وزارة الثقافة في اي بلد عربي تأمين هكذا اجواء من خلال خطة تغطي كامل المناطق السكنية الشعبية قبل الثرية و تجعل الكتاب في متناول اليد حتى نطور اجيالا قارئة ، لان بناء الإنسان لا يعتمد فقط على المنهاج التعليمي الذي هو فقط يساعد الطالب على تحصيل علمي يمكنه من إتقان وظيفته في المستقبل بينما الكتاب يساعد الفرد على صناعة هذا المستقبل، لذلك من مسؤولية وزارة الثقافة لا أن تعقد مؤتمرات سنوية لنخبة من المفكرين فقط بقدر ما هي أن تزرع في نفوس الناس الرغبة في البحث عن الحقيقة التي لا تتحقق إلا من خلال تبنى الوزارة مشروع نشر الكتاب ليصل لكل بيت باقل كلفة و من دون عناء و بطريقة جذابة تجعل من المطالعة هواية قد تتطور إلى مستوى الاحتراف، و أن تصل إلى أبناء القامشلي كما تصل الى أبناء درعا و إلى المناطق التي يخاف أن يصل اليها المواطن لأنها نائية و مهملة و ان تصل الخدمات بنفس المستوى في اي رقعة ارض في سوريا في اي مشروع حكومي تتبناه الدولة حتى تتساوى الفرص بين الناس و لا يحرم منها احد بينما ينتفع منها الآخر.
