مع دخول الحرب الإسرائيلية–الأميركية على إيران أسبوعها الثالث، بدأت تظهر في إسرائيل نفسها مؤشرات قلق حقيقية من المسار الذي تتجه إليه المعركة. بعيداً عن البيانات الرسمية التي تتحدث عن “إنجازات تاريخية” ونجاحات غير مسبوقة، تكشف التحليلات العسكرية الإسرائيلية صورة أكثر تعقيداً، حيث يقابل التفوق العسكري الواضح غموض سياسي حاد، ويطرح أسئلة حول أهداف الحرب النهائية ومدة استمرارها.
تشير القراءات المتقاطعة لما يكتبه المحلل العسكري لصحيفة هآرتس عاموس هرئيل، إلى جانب المتابعات التفصيلية التي ينشرها الخبير الإسرائيلي دافيد جندلمان، إلى أن الضربات التي استهدفت منشآت الطاقة الإيرانية مؤخراً قد تمثل نقطة تحول في سير المعركة، ليس فقط من الناحية العملياتية بل الاستراتيجية أيضاً. فاستهداف حقول الغاز والمنشآت النفطية الكبرى يفتح الباب أمام سيناريو تصعيد محتمل قد يخرج عن السيطرة، خصوصاً إذا قررت إيران الرد عبر تهديد الملاحة في مضيق هرمز، الذي يعتبر شرياناً حيوياً لتجارة الطاقة العالمية، وإغلاقه قد يضع الولايات المتحدة أمام مأزق معقد، ويجعل من الصعب الانسحاب من المواجهة دون معالجة تداعيات الأزمة.
من الناحية العسكرية، تشير البيانات التي يتابعها جندلمان إلى أن إسرائيل والولايات المتحدة تمكنتا خلال الأيام الماضية من تنفيذ مئات الضربات الدقيقة داخل الأراضي الإيرانية، استهدفت قواعد الحرس الثوري ومنشآت صاروخية ومنظومات دفاع جوي، إضافة إلى مواقع إنتاج الطائرات المسيّرة. وشملت العمليات استخدام موجات متواصلة من الغارات الجوية، تضم أحياناً عشرات أو مئات الطائرات المقاتلة على مسافات تصل إلى 1600 كيلومتر من إسرائيل، ما يظهر قدرة كبيرة على الاستمرار في العمليات اليومية. ورغم التفوق، فإن التاريخ العسكري في المنطقة يوضح أن السيطرة الجوية لا تعني بالضرورة تحقيق انتصار سياسي أو إنهاء سريع للصراع، وأن الحروب في الشرق الأوسط كثيراً ما تتحول إلى صراعات طويلة ومعقدة يصعب حسمها، وهو ما يشكل مصدر قلق لدى المحللين العسكريين الإسرائيليين.
الانتقال إلى استهداف قطاع الطاقة الإيراني ليس مجرد خطوة عسكرية، بل مقامرة استراتيجية. أي تصعيد في حرب الطاقة قد يؤدي إلى اضطراب كبير في أسواق النفط والغاز العالمية، وهو ما قد يضع الولايات المتحدة نفسها في موقف صعب، خاصة إذا أدى ذلك إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً. ومن هنا جاء تحفظ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أعلن علناً أنه لم يُبلّغ مسبقاً بالضربة التي استهدفت حقل الغاز الإيراني الكبير “بارس” جنوب إيران، مؤكداً أن إسرائيل لن تقدم على خطوة مماثلة مرة أخرى، في إشارة إلى حساسية هذا المسار السياسي والاقتصادي. ورغم هذه المواقف العلنية، يظل التنسيق العسكري والسياسي بين واشنطن وتل أبيب وثيقاً على الأرض، ويعكس استراتيجية طويلة المدى تم تطويرها خلال سنوات عدة.
من جهة أخرى، تراهن إيران على استراتيجيات مختلفة عن الهجوم العسكري المباشر. فالتقديرات الإسرائيلية تشير إلى أن طهران تعتمد على إطالة أمد الحرب واستنزاف خصومها من خلال الضغط الاقتصادي العالمي، إذ قد يؤدي ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى نقص في الموارد الحيوية مثل الهيليوم والأسمدة والألومنيوم، ما يخلق أزمات اقتصادية متعددة في الغرب، وهو ما قد يتحول إلى ضغط سياسي لإنهاء الحرب. على الصعيد العسكري، تسعى إيران إلى استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية لدى إسرائيل وحلفائها، ما قد يترك أهدافاً حساسة في الخليج وإسرائيل مكشوفة أمام الصواريخ والطائرات المسيّرة، وهو ما يضاعف من تعقيد المأزق الذي تواجهه القيادة الإسرائيلية.
المفارقة الكبرى أن المشكلة ليست عسكرية بحتة، بل سياسية. فحتى الآن لم تقدم الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو تصوراً واضحاً لنهاية الحرب أو أهدافها النهائية. هل تسعى إسرائيل إلى تدمير البرنامج النووي الإيراني؟ أم إضعاف النظام؟ أم مجرد توجيه ضربة ردعية؟ هذا الغموض الاستراتيجي يثير قلقاً داخل المؤسسة الأمنية، لأن الحروب التي تبدأ دون هدف سياسي واضح غالباً ما تتحول إلى مستنقعات طويلة ومكلفة.
في الأيام الأولى للحرب، ركز الخطاب الإسرائيلي على إمكانية تغيير ميزان القوى في الشرق الأوسط بشكل جذري، لكن مع مرور الوقت بدأ التركيز يتغير تدريجياً. فبدلاً من الحديث عن انتصار حاسم، أصبح الخطاب يركّز على تعزيز الردع وإظهار القوة، وهو تحول يعكس إدراكاً متزايداً بأن الحرب قد لا تنتهي بنصر واضح. حتى الآن، يستمر ملايين الإسرائيليين في العيش مع الصواريخ، يركضون إلى الملاجئ ويعيشون تحت الضغط النفسي الدائم، بينما تحاول الحكومة تقديم صورة من السيطرة والنصر، رغم أن الواقع الميداني قد يكون مختلفاً.
الخبراء العسكريون مثل جندلمان يشيرون إلى أن إسرائيل نجحت في تدمير جزء كبير من الدفاعات الجوية الإيرانية، ورفع نسبة اعتراض الصواريخ إلى نحو 90٪، لكن حتى هذه الإنجازات لا تضمن نهاية حاسمة. فالضربات الإيرانية المتقطعة، بما فيها استخدام صواريخ برؤوس عنقودية وشظايا أصغر، تؤدي إلى توترات مستمرة وتثقل على المدنيين، مع تقليل الخسائر المباشرة، ما يخلق حالة ضغط نفسي مستمر داخل إسرائيل. ويضيف جندلمان أن تقديرات القدرة الصاروخية الفعلية الإيرانية تشير إلى وجود عشرات إلى 150 منصة إطلاق فعالة، إضافة إلى منصات مخبأة في الأنفاق وعمليات تدمير حوالي 200 منصة، ما يعني أن القدرة الصاروخية الإيرانية ستستمر وتبقى تهديداً قائماً.
على صعيد العمليات البرية والجوية، يستمر الجيش الإسرائيلي في شن ضربات دقيقة على أكثر من 130 هدفاً في وسط وغرب إيران، تشمل منصات إطلاق صواريخ، دفاع جوي، طائرات مسيّرة، صناعات عسكرية وغيرها، مع تنفيذ حوالي 5700 طلعة قتالية و8500 ضربة حتى الآن. كما تم استخدام الطائرات المسيّرة الاستطلاعية – الهجومية في موجة الهجوم الأولى بعد تعديلها لتصبح فعالة ضد الدفاعات الجوية، وتم تكريم واحدة منها من قبل قائد سلاح الجو بسبب نجاحها في منطقة خطرة جداً.
الولايات المتحدة عززت كذلك حضورها العسكري، بما في ذلك استخدام طائرات A10 في جنوب إيران ضد الزوارق، ومروحيات “أباتشي” ضد الطائرات المسيّرة، مع استمرار وصول قوات المارينز المتوقع خلال أيام. وعلى الرغم من التفوق الجوي، فقد أصيب أحد مقاتلي F35 واضطر إلى هبوط اضطراري، وهو ما يعكس أن السيطرة الجوية ليست مطلقة بالكامل وأن المخاطر قائمة.
وفي الوقت نفسه، يواصل الإيرانيون الرد جزئياً، بإطلاق صواريخ على مصافي النفط في أشدود وحيفا، مستخدمين صواريخ “قدر110” بنسخ حديثة، ورؤوس عنقودية، ما أدى إلى أضرار محدودة نسبياً، لكنه يخلق حالة توتر مستمرة. مضيق هرمز ما زال مفتوحاً، لكن التهديدات الإيرانية لم تتوقف، فيما تستمر الميليشيات العراقية والحوثيون في القتال ضد القوات الأميركية، ما يجعل الوضع مفتوحاً أمام أي تصعيد إضافي.
كل هذه التطورات تجعل من الحرب الحالية صراعاً متعدد الطبقات، حيث يجتمع التفوق العسكري الإسرائيلي، التحفظ الأميركي، الضغط الاقتصادي الإيراني، والمأزق السياسي الإسرائيلي في خريطة معقدة يصعب حسمها بسرعة. ورغم التفوق الجوي والتنسيق العملياتي المثالي، يبقى التساؤل الأكبر: إلى متى ستستمر الحرب، وما هو الثمن السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي ستدفعه إسرائيل والغرب مقابل هذا التفوق؟
