مسكينة إسرائيل..تأييد زهير الدبعي
يزخر التاريخ الإسرائيلي باستغلال حالات تصاعد العنف لتنفيذ مخططات مجهزة مسبقا لصالح مشروعها الاستعماري التوسعي، وليست دعوات الحاخام الإسرائيلي يوسف مزراحي لاستغلال الحرب الدائرة الآن لهدم المسجد الأقصى وإلصاق التهمة بايران، سوى مثال على ذلك، ولم يكن التركيز على خبر سقوط شظايا صاروخية على بعد عشرات الأمتار فقط من المسجد الأقصى مجرد خبر عابر من أخبار الحرب، بل هو ناقوس ينذر بأن موعد هدم المسجد الأقصى أقرب من أي وقت مضى، تحقيقا للنبوءة التوراتية لقدوم المسيح الذي وحسب هذه النبوءة لن يأتي إلا بعد إعادة بناء الهيكل الثالث على أنقاض المسجد الأقصى. وجاء قرار إغلاق المسجد الأقصى "بدواع أمنية" منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب الإسرائيلية الأمريكية ضد ايران في شهر رمضان المبارك الذي تواصل إلى منع أداء صلاة العيد لأول مرة منذ العام 1967، هذا العام الذي سقط فيه الجزء الأخير المتبقي بعد احتلال معظم أحياء القدس في العام 1948، وهي البلدة القديمة التي يقع في قلبها المسجد الأقصى وكنيسة القيامة، مجرد بالون اختبار جديد يدرس تبعات ذلك. ربما بدأت الأحداث التي تمهد ليوم هدم المسجد الأقصى أولا باحتلاله، وبسلسلة غير منقطعة من الاعتداءات التي كان من أشدها في العام 1969 حيث أقدم مستوطن إسرائيلي أسترالي الأصل على إشعال النيران في المصلى القبلي مما أدى إلى احترق منبر صلاح الدين الأيوبي وأجزاء واسعة من المسجد.
لكن يبدو أن المسكينة إسرائيل لا تعلم ماذا سنفعل نحن المسلمون إذا أقدمت على هدم القبلة الأولى ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم وثالث الحرمين الشريفين، إن تعدادنا يقارب ملياري إنسان أي حوالي واحد من كل أربعة أشخاص في هذا العالم، صحيح أننا سكتنا طويلا وكثيرا، إلا أننا لن نسكت على هدم المسجد الذي عرج منه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى السماء، فهذا خط أحمر لن نسمح بتجاوزه كما تسامحنا مع خطوط حمراء كثيرة كانت تتساقط واحدا تلو الآخر طوال سنوات احتلال القدس وكل فلسطين.
إن علم المؤمنون بهدم مسجدهم لن يكون مع إسرائيل سوى ساعات قبل الغرق، ودقائق قبل القصف بوابل من الأسلحة الفتاكة العابرة للحدود التي لا تستطيع قبة حديدية ولا تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي ايقافها، ستغرق إسرائيل ببحر من الدموع والأحبار وستقصف بالدعاء. سنذرف الدموع وستسيل أقلامنا شعرا ونثرا تعبيرا عن الجزع الذي كوى قلبونا على أعز مساجدنا. ولن نكتفي بذلك بل سنستخدم سلاحا قديما متجددا لا تعرف إسرائيل عن فعاليته أي شيء، سنشهر بوجهها سلاح الإضراب، سنغلق محالنا التجارية ونعلق رايات سوداء على منازلنا وسياراتنا لا وبل سنتشح بالسواد حدادا على قدسنا وأقصانا. وستكون إسرائيل مضطرة لمواجه هجمة إلكترونية شرسة، فسنغير صور حساباتنا على مواقع التواصل إلى صور المسجد الأقصى وسنلجأ للذكاء الاصطناعي لعمل فيديوهات تحاكي إعادة بناء الأقصى ويوم تحريره أيضا.
هل سيكتفي المسلمون بذلك؟ بالطبع لا، فعلى المسكينة إسرائيل مواجهة عشرات بل مئات الآلاف من خطب الجمعة التي ستبدأ من الدعاء عليها ولن تنتهي عند أين أنت يا صلاح الدين، ولن يكتفي الغاضبون بذلك، بل سيخرجون في مظاهرات حاشدة يهتفون فيها ملأ حناجرهم، وربما يصل غضبهم لمهاجمة سفارات إسرائيلية وأمريكية حول العالم، كل هذا لا يعتبر شيئا أمام جيش قوامه عشرات الملايين التي ستهب من كل حدب وصوب نصرة للأقصى، سيزحف هذا الجيش الجرار نحو الكعبة المشرفة وقبر الرسول عليه الصلاة والسلام حتى يكون الدعاء أكثر فتكا وتأثيرا، ورغم أن هذا الجيش لن يقترب من حدود إسرائيل ولن يفعل شيئا أكثر من رفع الأكف للسماء، إلا أن فرائصها سترتعد خوفا ورعبا من هذه الحشود ومن الدعوات التي تلعنها ليل نهار.
لن يقتصر ما ستواجهه إسرائيل على الغضب والتحرك الشعبي، بل ستقف مرتبكة أمام تحرك دبلوماسي وضغوط سياسية على صعيد غير مسبوق، فستصدر بيانات حارقة خارقة متفجرة من منظمات عربية وإسلامية تستنكر فيه وتدين العدوان على المسجد الأقصى المبارك وتدعو المجتمع الدولي للتحرك. وما سوف يخيف إسرائيل أكثر من كل ما سبق، هو إدانات الاتحاد الأوروبي وغيره من الدول التي ستصدر مواقف سياسية شديدة وحازمة تقرع بها إسرائيل. ولن تغيب الأمم المتحدة عن هذا الحدث الجلل، بل سيعقد مجلس الأمن اجتماعا ويصدر قرارا تاريخيا، وستهب كل المنظمات الأممية والدولية والحقوقية للتنديد بهدم المسجد الأقصى ليس لأنه عمل يعرقل "عملية السلام" وحسب، ولا لكونه جريمة تنتهك كل القوانين والمعاهدات الدولية والأعراف الإنسانية فقط، بل لمكانته الدينية والتاريخية والأثرية، ولكونه تحفة معمارية وفنية شاهدة على حقبة حضارية تشكل جزءا هاما من الحضارة البشرية ولأن خسارته تشكل خسارة لإرث إنساني لا يعوض. فلكل ذلك، لن تقدم إسرائيل على فعلة مثل هذه فلا قبل لها لمواجهة ثورة غضب ربع سكان العالم وكل دول ومؤسسات ومنظمات الكرة الأرضية.
