تمكن علماء آثار من العثور على هيكل غامض مدفون أسفل أنقاض مدينة قديمة في شمال غرب دلتا النيل بمصر، وذلك خلال اختبار تقنيات مسح متطورة للكشف عن الآثار المدفونة.
مدينة تاريخية بأسماء متعددة
وبحسب البحث الذي نشر في مجلة Acta Geophysica حملت المدينة القديمة عدة أسماء على مدار نحو 6000 عام منذ تأسيسها، إذ عرفت لدى المصريين القدماء باسم “بير-وادجيت” نظرا لكونها مركزا مقدسا للإلهة Wadjet.
وخلال الحقبة اليونانية التي بدأت عام 305 قبل الميلاد، أطلق عليها اسم “بوتو”، بينما يعرف موقعها حاليا باسم تل الفراعنة.
وشهدت المدينة عبر تاريخها الطويل دورات متكررة من البناء والهدم وإعادة الإعمار، حتى تراجعت واندثرت بحلول القرن السابع الميلادي.
تحديات التنقيب التقليدي
تعد طبقات الطين والمياه الجوفية، إلى جانب عمق الموقع واتساعه، من أبرز التحديات التي أعاقت عمليات التنقيب التقليدية في الموقع.
هذه الظروف جعلت من الصعب على علماء الآثار الوصول إلى البقايا المدفونة باستخدام الأساليب التقليدية، ما دفعهم للاعتماد على تقنيات حديثة أكثر دقة.
التكنولوجيا تكشف ما تحت الأرض
اعتمد فريق بحثي بقيادة عالم الآثار Mohamed Abu Arab من جامعة كفر الشيخ على تقنيات متطورة، من بينها بيانات القمر الصناعي Sentinel-1، إلى جانب التصوير المقطعي للمقاومة الكهربائية (ERT).
وتمكنت هذه الأدوات من رصد تشوهات سطحية تشير إلى وجود هياكل مدفونة، ما دفع الفريق لاختيار 15 موقعا محتملا لإجراء دراسات أكثر دقة.
هيكل غامض تحت الأرض
أسفرت القياسات عن 1332 قراءة للمقاومة الكهربائية، كشفت عن مبنى من الطوب اللبن تبلغ أبعاده نحو 25 × 20 مترًا، مدفونًا على عمق يتراوح بين 3 و6 أمتار.
ويقع هذا الهيكل أسفل طبقات من الفخار المكسور والأنقاض التي تعود إلى العصرين البطلمي والروماني، ما يشير إلى تعاقب حضاري طويل في الموقع.
تأكيد أثري واكتشافات دينية
أكدت الحفريات اللاحقة وجود الهيكل، الذي يعود تاريخه إلى نحو 2600 عام، أي إلى العصر الصاوي (الأسرة السادسة والعشرون) قبل الغزو الفارسي عام 525 قبل الميلاد.
كما عثر على مجموعة من التمائم والقطع الأثرية، من بينها أشكال تجسد الإلهة Isis وHorus وTaweret، إضافة إلى تمائم مركبة تجمع بين البابون والصقر والإله القزم “باتيكوس”، إذ تشير هذه الاكتشافات إلى احتمال أن يكون المبنى ذا طابع ديني.
وظيفة المبنى لا تزال غامضة
يرجح الباحثون أن يكون الموقع معبدا أو مجمعا دينيا، وربما استخدم أيضا لأغراض جنائزية أو كمقر لإقامة كاهن.
ومع ذلك، لا تزال الوظيفة الدقيقة للمبنى غير محسومة، في انتظار مزيد من الحفريات خلال المواسم القادمة.
يمثل هذا الاكتشاف نموذجا واضحا للتحول الذي تشهده علوم الآثار بفضل التكنولوجيا الحديثة، حيث لم يعد الاعتماد مقتصرا على الحفر التقليدي فقط، بل أصبح الدمج بين تقنيات الاستشعار عن بعد والقياسات الجيوفيزيائية عنصرا حاسمًا في الكشف عن المواقع المدفونة.
