في وقت يترقب فيه العالم الجيل القادم من معالجات الذكاء الاصطناعي والتطورات العلمية الكبرى، تواجه شركات الرقائق الإلكترونية أزمة غير متوقعة، ليس بسبب نقص المهارات أو التكنولوجيا، بل بسبب ندرة غاز الهيليوم، العنصر الحيوي لتبريد أحدث آلات التصنيع.

وبحسب تقارير “ديجيتايمز آسيا” و”Fusion Worldwide”، هذا الغاز النبيل أصبح شريان حياة الصناعات المتقدمة، ويؤثر على كل شيء من تصنيع الرقائق إلى مراكز البيانات العملاقة وحتى الحوسبة الكمومية.

الهيليوم وأهميته في صناعة أشباه الموصلات

تعتبر أشباه الموصلات المستهلك الأكثر حساسية للهيليوم، إذ وفق تقرير “ديجيتايمز آسيا”، تعتمد المعالجات المتطورة بدقة 3 و2 نانومتر على الهيليوم لتبريد أجهزة الليثوغرافيا بالأشعة فوق البنفسجية المتطرفة (EUV).

ويستخدم الهيليوم للحفاظ على شكل “الويفر” ومنع تلف العدسات المغناطيسية الدقيقة أثناء عملية الحفر المجهري، إذ كشفت بيانات شركة ASML الهولندية أن أي نقص في الهيليوم يؤدي مباشرة إلى انخفاض نسبة العائد الإنتاجي، مما يهدد تدفق المعالجات التي تعتمد عليها شركات مثل إنفيديا وآبل في تشغيل خوارزميات الذكاء الاصطناعي.

الذهب البارد سر الهيليوم وأهميته الفائقة

يطلق العلماء على الهيليوم لقب “الذهب البارد” بسبب قيمته الكبيرة في تبريد التكنولوجيا المتقدمة، إذ أن الهيليوم السائل يتيح الوصول لدرجات حرارة شبه الصفر المطلق، ما يجعله العنصر الوحيد القادر على تشغيل الحوسبة الكمومية وأجهزة الرنين المغناطيسي ومسرعات الجسيمات بكفاءة.

ووفقا لتقارير “Investigative Tech” و”APS”، أي نقص في هذا الغاز لا يهدد فقط الإنتاج الصناعي، بل يمكن أن يعرقل تقدم البحث العلمي والتقنيات المستقبلية.

الهيليوم يحافظ على استدامة الطاقة

ولا يقتصر دور الهيليوم على التصنيع، بل يمتد إلى مراكز البيانات، إذ بحسب تقرير Fusion Worldwide، أقراص التخزين عالية السعة (>18 تيرابايت) تحتوي على الهيليوم لتقليل الاحتكاك والحرارة، مما يخفض استهلاك الطاقة بنسبة تصل إلى 20%.

وعلى الرغم من وجود بدائل مثل أقراص الحالة الصلبة (SSD)، إلا أن تكلفتها العالية في السعات الضخمة تجعل الهيليوم الخيار العملي الرئيس للبيانات الكبيرة حول العالم، وفق تقرير الاستدامة الرقمية 2026.

الهيليوم سائل المعجزات

ويعتبر الهيليوم السائل هو المادة الوحيدة القادرة على توفير درجات حرارة منخفضة للغاية للحوسبة الكمومية، بحسب تقرير Investigative Tech. معالجات كمومية من شركات مثل IBM وجوجل تتطلب تبريدا قرب الصفر المطلق للحفاظ على “التراكب الكمي” للكيوبتات.

وتؤكد الجمعية الفيزيائية الأمريكية APS أن نقص الهيليوم يهدد تشغيل أجهزة الرنين المغناطيسي (MRI) ومسرعات الجسيمات، إذ لا يوجد بديل طبيعي يمتلك خصائصه الفيزيائية الفريدة.

الجغرافيا السياسية للهيليوم

وفق بيانات USGS، يتركز إنتاج الهيليوم في أربع دول رئيسية، ما يخلق تبعية عالمية خطيرة، هي الولايات المتحدة: 20.6 مليار متر مكعب، معظمها للاستخدام المحلي تليها قطر: 10.1 مليار متر مكعب، المزود العالمي الأول، تأثرت إنتاجيته بالأزمات الإقليمية، بينما الجزائر: 8.2 مليار متر مكعب، مورد مستقر للسوق الأوروبية وروسيا: 6.8 مليار متر مكعب، الإنتاج محدود بسبب العقوبات الدولية.

استراتيجيات مواجهة النقص

ولمواجهة شح الهيليوم، اعتمدت شركات كبرى مثل سامسونج وإنتل أنظمة “إعادة التدوير المغلق”، والتي تعيد تسييل الهيليوم المفقود أثناء التصنيع، ما يحسن استدامة التشغيل بنسبة تصل إلى 85%، رغم تكلفتها الباهظة.

ومع ارتفاع أسعار الشحن بنسبة 150% نتيجة اضطرابات مضيق هرمز، أصبح الهيليوم ليس مجرد مورد، بل عنصر استراتيجي لحماية عصر الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة.

شاركها.