لم يكن الهجوم الإسرائيلي الغادر على لبنان، الأربعاء الماضي، حدثاً استثنائياً أو معزولاً. 
فمنذ اتفاقيات كامب ديفيد مع مصر عام 1978، تحول العالم العربي تدريجياً من فاعل إقليمي، بل ودولي في زمن جمال عبد الناصر، إلى مجرد ساحة مفتوحة للحروب الإسرائيلية والأميركية، يجلس العرب في مدرجاتها متفرجين، وأحياناً مشجعين. 
ولأن هذه «اللعبة» تُدار بالطائرات والصواريخ والدبابات، فإن العرب لا يدفعون تذكرة حضورهم فقط، بل يدفعون أيضاً تكاليفها من دمائهم، وأموالهم، وبناهم التحتية، واستقرار بلدانهم.
بدأ هذا التحول عندما قبلت دول عربية أن تكون أداة في صراعات غيرها. 
لقد جرى تحريض صدام حسين على شن حرب دموية ضد إيران، لا لشيء إلا خوفاً من انتقال عدوى الثورة الإسلامية إلى المنطقة. 
لم تنظر هذه الدول إلى الثورة الإيرانية، التي حولت السفارة الإسرائيلية في طهران إلى سفارة فلسطينية، باعتبارها حليفاً محتملاً في مواجهة إسرائيل، بل رأت فيها تهديداً مباشراً لأمنها. 
ومن أجل احتواء هذا «الخطر»، استحضر العرب رمزية «القادسية» في خطاب تعبوي قدم الحرب بوصفها مواجهة بين العرب و»الفرس»، حتى أن بعض القادة العرب رافقوا صدام حسين إلى خطوط الجبهة.
وفيما انشغل العرب بهذه الحرب غير الضرورية على «الجبهة الشرقية»، كانت إسرائيل تحتل أول عاصمة عربية، بيروت، عام 1982، دون أن يتحرك النظام العربي لنجدتها أو لحماية المدنيين فيها، حتى حين تواطأت دولة الاحتلال مع «الكتائب» في ارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا. 
ثم جاءت الكارثة الأكبر مع احتلال صدام حسين للكويت عام 1990، وما تبعه من استدعاء الولايات المتحدة إلى قلب المنطقة لإخراجه منها. 
ومنذ تلك اللحظة، دخل العالم العربي مرحلة الاعتماد شبه الكامل على واشنطن في أمنه، وانتشرت القواعد العسكرية الأميركية في معظم بلدانه.
مع خصخصة الأمن القومي العربي، لم يعد العالم العربي لاعباً أو فاعلاً، بل أصبح ساحة للحروب الأميركية والإسرائيلية، تُستخدم فيها الأرض العربية، والإمكانات العربية، أحياناً ضد المصالح العربية نفسها. 
ومن هذا المنظور، لا يبدو الصمت العربي على جريمة الإبادة في غزة استثناءً، بل امتداداً لصمت سابق على احتلال العراق عام 2003، وعلى اجتياح مدن الضفة الغربية عام 2002، وعلى الانخراط، بالفعل أو بالصمت، في مشاريع تدمير سورية وليبيا واليمن والسودان لاحقاً.
وقد ساهم الانقسام العربي بين أنظمة سلطوية تصف نفسها بـ»القومية» أو «العروبية»، وأخرى تُقدم نفسها على أنها «مُعتدلة» أو «عقلانية»، في حجب الصورة الكبرى للكارثة الناتجة عن خصخصة الأمن القومي العربي؛ أي عن اعتماد دول عربية كثيرة على الولايات المتحدة لحماية أمنها. 
فهذا الانقسام لم يُنتج بدائل حقيقية للأمن العربي، بل كرس العجز، وغطى على النتيجة الأهم وهي انتقال القرار الأمني الاستراتيجي من العواصم العربية إلى الخارج.
وتتمثل أبرز نتائج هذا المسار في فقدان السيادة، وتآكل الاستقلال السياسي، وهشاشة الأمن نفسه. 
فسيادة الدولة تعني امتلاكها السلطة العليا في تحديد التهديدات، وصياغة أولوياتها، وإدارة أدوات الردع والدفاع. 
وعندما تصبح دولة أجنبية مسؤولة، عملياً، عن هذه المهام، فإن الدولة تفقد جوهر سيادتها. 
كما أن الدولة التي تعتمد أمنياً على قوة خارجية تفقد تدريجياً قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة، لا في السياسة الخارجية فقط، بل أحياناً في ملفات داخلية أيضاً، لأن الجهة التي توفر الحماية تستطيع أن تمارس الضغط والابتزاز في قضايا التحالفات، والتسليح، والتموضع السياسي.
وفوق ذلك، فإن الضمانة الأمنية الخارجية ليست ثابتة، بل تخضع لتبدل الحكومات، وتغير التحالفات، وتَحول الأولويات الاستراتيجية للدولة الضامنة. 
وهذا يعني أن أمن الدول «المَحمية» يظل رهناً لحسابات خارجية لا تملك السيطرة عليها، ما يجعله أمناً هشاً ومؤقتاً، لا أمناً مستقراً أو سيادياً.
وقد كشفت الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران جانباً مهماً من هذه الحقيقة. 
فحتى الدول العربية التي رفضت الحرب، وسعت بكل ما تستطيع إلى تجنبها، لم تتمكن من منعها، ولم تستطع كذلك منع الولايات المتحدة من استخدام قواعدها العسكرية على أراضيها في سياق هذه المواجهة، ما حولها، رغماً عنها، إلى ساحة مركزية في الحرب. 
لقد سمحت هذه الدول ببناء قواعد أميركية على أراضيها بدعوى الحماية من الأخطار الخارجية، لكن النتيجة العملية كانت خسارتها القدرة على تحديد أولوياتها الأمنية، أو التحكم الكامل بما يجري على جزء من أراضيها.
والمفارقة الصارخة أن القواعد التي عجزت عن «رؤية» الطائرات الإسرائيلية وهي في طريقها إلى تنفيذ عملية اغتيال قادة «حماس» في قطر، هي نفسها التي كانت توفر لإسرائيل خدمات الإنذار المبكر عندما تنطلق الصواريخ من إيران. 
وحتى إذا لم تُستخدم هذه القواعد مباشرة في الهجمات على إيران، فإنها استُخدمت، على الأقل، في الدعم اللوجستي والاستخباري، بما يكشف أن الدول المضيفة لم تكن قادرة على التحكم بما يجري داخل حدودها. 
وهكذا، تحولت القواعد العسكرية من أداة يُفترض أنها للحماية إلى عبء أمني وسياسي، بل وإلى مصدر خطر مباشر على الدول التي تستضيفها.
إن خصخصة الأمن القومي العربي لم تُنتج أمناً، بل تبعية، وهي لم تُعزز سيادة، بل قَوضتها. 
والأهم من كل ذلك، هي لم تَحمِ الدول العربية من الحروب، بل جعلتها ساحات لها. وعليه، فإن استعادة الفعل العربي تبدأ بإعادة تعريف الأمن القومي العربي بوصفه مشروعاً سيادياً مستقلاً، لا خِدمة تُشترى من قوى أجنبية أو تُسند إليها.

شاركها.