بعد أن بدأت مواقع وقنوات الأخبار تتناقل فكرة رفض حركة حماس تسليم سلاحها، عاد النقاش إلى الواجهة، ليس بوصفه جدلًا سياسيًا عابرًا، بل كسؤالٍ مصيري يتعلق بحياة الناس ومستقبلهم.فهذا الرفض لا ينفصل عن إصرارٍ أوسع على البقاء في موقع السلطة، والتمسك بخياراتٍ أثبتت كلفتها الباهظة على الناس.
في لحظةٍ يثقلها الألم، ويغمرها سؤال الوجود قبل السياسة، يبرز تساؤل مشروع: ماذا يعني إصرار أي فصيل على البقاء في الحكم، والتمسك بالسلاح، بينما يدفع الشعب الثمن الأكبر من حياته وكرامته ومستقبله؟ ليست القضية هنا مجرد اختلاف سياسي، بل صراع بين منطقين: منطق يرى في السلطة غايةً بحد ذاتها، ومنطق يعتبرها وسيلة لخدمة الناس. حين يتحول السلاح من أداة يفترض أن تحمي الشعب إلى عبءٍ يجر عليه الدمار المتكرر، يصبح من الضروري إعادة التفكير في جدوى هذا الخيار، لا من باب التخلي عن الحقوق، بل من باب حماية ما تبقى من الإنسان.
إن التجربة القاسية التي يعيشها أهلنا في غزة اليوم تطرح سؤالًا أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا: هل يمكن تبرير استمرار النهج ذاته، رغم ما خلّفه من دمار شامل، وتشريد، وانهيار في التعليم والصحة والبنية التحتية؟ وهل يمكن إقناع إمرأة بلا سند، أو طفل بلا مأوى، أو طفلة بلا مدرسة أو مريض بلا دواء، بأن هذا الثمن هو الطريق الوحيد نحو التحرر؟
التاريخ لا ينكر أن الشعوب قاومت ونالت حريتها، لكن أدوات المقاومة كانت دائمًا مرتبطة بقدرتها على تحقيق توازن بين الكلفة والنتيجة. أما حين تصبح الكلفة مفتوحة بلا أفق واضح، وتتحول النتيجة إلى مزيد من التراجع، فإن السؤال لا يعود خيانةً بل ضرورة. ما الذي حققه السلاح حتى الآن؟ هل قرّبنا من استعادة الأرض، أم أدخلنا في دوائر متكررة من المواجهة غير المتكافئة؟ هل عزّز صمود المجتمع، أم أنهك قدرته على البقاء؟ هذه أسئلة لا يمكن الهروب منها بالشعارات.
الأخطر من ذلك هو الخلط بين بقاء الفصيل وبقاء القضية. فالقضية أكبر من أي تنظيم، وأبقى من أي سلطة. حين يصبح الحفاظ على النفوذ أولوية تتقدم على مصلحة الناس، فإننا أمام أزمة عميقة في فهم معنى النضال والمقاومة نفسها.
الشعب هو الأصل، وهو الغاية، وهو المعيار الوحيد للشرعية. أي فصيل، أيًا كان تاريخه أو شعاراته، يفقد مبرر وجوده حين يصبح عبئًا على شعبه، أو حين يختزل الوطن في ذاته. فالقضية ليست ملكًا لأحد، ولا يمكن أن تُدار بعقلية الاحتكار أو الإقصاء.
أما الثقة، فهي لا تُطلب بل تُبنى. تُبنى بالشفافية، وبالقدرة على مراجعة الأخطاء، وبالاستعداد لتقديم مصلحة الناس على مصلحة التنظيم. من يرفض المراجعة، ويتمسك بالنهج ذاته رغم نتائجه الكارثية، يضع نفسه خارج دائرة المساءلة الأخلاقية.
لا يمكن تبرئة الاحتلال من مسؤوليته الأساسية في هذه المأساة، فهو أصل الظلم ومصدر العدوان. لكن في الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل دور الخيارات الداخلية في تعميق المعاناة أو التخفيف منها. الجمع بين هاتين الحقيقتين هو ما يمنح الخطاب صدقه واتزانه.
إن المأساة الحقيقية ليست فقط في ما يفعله العدو، بل أيضًا في العجز عن التعلم من التجربة، وفي الإصرار على إعادة إنتاج الكارثة. فهل آن الأوان لإعادة تعريف الأولويات؟ هل يمكن أن يتقدم الإنسان على الشعارات، والحياة على السلطة، والمستقبل على الحسابات الضيقة؟
ربما يكون السؤال الأصعب: من الأصدق مع شعبه؟ ليس من يملك السلاح، بل من يملك الشجاعة ليعترف: أن هذا الطريق لم يعد يقود إلا إلى الخسارة. لأن بداية أي تغيير… تبدأ بالاعتراف..
